عروبة الإخباري – الدكتورة ليليان قربان عقل –
إرتبطت نهضة المرأة العربية المعاصرة بالاجواء العامة التي قامت على أساسها النهضة العربية العامة بالالتزام بقضيّة النّهوض إنطلاقاً من الوعي بضرورة تغيير الواقع والخروج من مساوئه.
فعصر النّهضة هو منطلق لكلّ الحركات السّياسيّة والإجتماعيّة والدينيّة والفكريّة والأدبيّة والحضاريّة المعاصرة وهو مرتكز التطوّرات العربيّة الحديثة والتغييرات التي طرأت على حياة العرب منذ مطلع القرن التاسع عشر، الوقت الذي كانت فيه البيئة العربية غنيّة بالتفاعلات الفكرية والثقافيّة.
إنّ دارسي النّهضة العربيّة ونقّادها ومؤرّخيها، أخطأوا إذ حصروا عمليّة النّهوض الفكريّ بالرجل وأضفوا على النّهضة صبغة ذكوريّة، وأخطأوا إذ تجاهلوا دور المرأة وإسهاماتها النهضويّة فهمّشوا فعلها، إلّا عند قلّة من الإصلاحيين التربويين والإجتماعيين الذين رأوا أن للمجتمع جناحين، وتلمّسوا البصمات الفكريّة للمرأة في غير مجال كتابي وميداني وسلّطوا الضوء على الفكر القيادي لدى المرأة العربيّة في عصر النّهضة في مجال العطاء الإبداعي، شعراً وقصّة و وجدانيات كما في مجال الطّروحات الفكريّة وعملاً صحافيّاً ذاخراً كانت له مفاعيل التّغيير والتطوّر الإجتماعي، ما رسّخ دور المرأة وإسهاماتها النّهضويّة.
كانت الصّحافة، من أبرز عوامل النّهضة العربيّة العامّة في أواخر القرن التاسع عشر،حيث لعبت المرأة من جهة دوراً بارزاً في ما كتبته في الدّوريّات التي أنشأها الرجل من قصص ومشاركات أدبيّة ظلّت بأكثرها أقرب إلى الوجدانيّات النظريّة، غلب على هذا الدّور أنّه (أقلام نسويّة في الصّحافة العامّة) ومن جهة اخرى لعبت المرأة ايضاً دورا مهما في الصّحف التي أنشأتها هي، فتأسّس بذلك مظهر فكري خاص بها، طرحت نفسها فيه شريكاً إيجابيّاً بعمليّة النّهوض الإجتماعي والإرتقاء الذّهني، وراحت تعالج القضايا العامّة وقضايا المرأة خاصّة وتطرح أموراً سياسيّة وقوميّة وتُبدي رأيها في الإقتصاد والتحرّر وحقّها في التعلّم والعمل، فغلب على هذا الدّور أنّه (صحافة نسويّة بأقلام نسويّة).
إنّ ظهور الصّحافة النسويّة ككيان فكري مستقلّ مع تأسيس الفتاة لهند نوفل في الإسكندريّة في 20 تشرين الثاني عام 1892 لتكون أول دوريّة نسويّة عربيّة رَئِست تحريرها سيّدة يُعتبر نصراً لقضيّة المرأة العربيّة في القرن التاسع عشر، لتشكّل محوراً واسعاً من محاور النّهضة الفكريّة وتكون ساحة لنضال المرأة وإثبات ذاتها عنصراً فاعلاً في المجتمع، فدخلت عالم الصّحافة والعمل فيه تحريراً وإنشاء، فتشكّل لها من ذلك نوع من الصّحافة المتخصّصة والخاصّة هي الصّحافة النسويّة. فالخطاب النّسوي في صحافة النّهضة، كان خطاباً مُركّزاً، مضموناً وأسلوباً، تركّز على قضايا شغلت المرأة في سعيها إلى الإرتقاء الإجتماعي والفكري ومنها قضايا الحريّة والمساواة والتعلّم والحقّ الإنساني، فتأسّست صحافة القضايا في كتابة المرأة واتّجه الخطاب النسوي في هذا المجال إلى أن يكون خطاباً مطلبيّاً يحمل هموم المرأة ومطالبها وما تراه مناسباً لإعادة التوازن الإجتماعي.
إنّ دراسة مقارنة لمتروكات المرأة في الصّحافة بين نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن الواحد والعشرين، تُظهر بوضوح أنّ القرن التّاسع عشر خصوصاً في العقد الأخير والربع الأول من القرن العشرين كان العصر الذّهبي للصّحافة العربيّة النسويّة بمعنى الإلتزام والإنتماء. فالآن ينحصر دور المرأة صحافيّاً بتولّيها تحرير قسم في دوريّة غير سياسيّة أو ترأّسها لقسم أو لمجلّة أو جريدة، أمّا صحافتها (الصّحافة النسويّة) أضْحَت صحافة الأزياء والديكور والتّجميل والرّشاقة لتكون هذه الصّحافة اليوم أقرب إلى المطبوعات الترويجيّة من حيث الإخراج والصور وعلى عنصر اللون كجاذبٍ فنّي على حساب المضمون الذي غاب عنه الخبر والتّحليل بمعنى أنّ الصّحافة النسويّة اليوم لم تعد في أغلبها، إنْ وُجدت، صحافة بمعنى صحافة القضايا ولم تعد مشغولة بهمّ المرأة والمجتمع وقضايا الإنسان، فتخلّت عن مهمّة المتاعب كرسالة لتصبح صحافة صالونات، فالصّحافة النسويّة العربيّة، حافظت بين عام 1892 تاريخ ظهور أول دوريّة نسويّة متخصّصة لهند نوفل، وبين عام 1928، تاريخ إنعقاد المؤتمر النسائي العام في بيروت والذي إعتُبر تحوّلاً في دور المرأة الفكري والإجتماعي والسّياسي على مستوى ظاهر وواضح من الرّصانة.
والسؤال الذي يُطرح اليوم في هذا الإطار مع ضمور الصّحافة النسويّة لصالح الصّحافة الإنثويّة هو ألم يعد للمرأة قضايا تكافح من أجلها أو تُطالب بها حتى فرغ مضمون صحافتها في آخر القرن العشرين، من الإسهامات الفكريّة والإصلاحيّة؟
مع الإقرار بأن المرأة العربية لعبت ولا تزال تلعب اليوم أدواراً ناجحة في مجالات التربية وحرية التعليم والمساواة في العمل وتأليف الكتب وتأسيس الجمعيات وإنشاء الصحف والدوريات .
يشهد على ذلك تاريخ الفكر والصحافة والعلوم وغيرها من حقول المعرفة التي نجحت المرأة العربية بأن تشكل فيها عنصراً مشاركاً للرجل.
