الرأي –
يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني حضوره عبر منصات الحوار الدولي، هذه المرة من سلوفينيا، في قمة دول جنوب أوروبا «ميد 9»، حاملاً الصوت العربي الأكثر اتزاناً وواقعية في مقاربة أزمات الإقليم، ومؤكداً أن الأمن والاستقرار لن يتحققا في الشرق الأوسط ما لم يتحقق السلام العادل للفلسطينيين.
من سلوفينيا، أكّد جلالة الملك الدور المحوري للاتحاد الأوروبي في تطبيق اتفاق إنهاء الحرب في غزة، داعياً إلى تنسيقٍ مشترك بين دول الشرق الأوسط ودول جنوب أوروبا والولايات المتحدة لضمان التزام جميع الأطراف بتنفيذ الاتفاق بجميع مراحله.
تمثل دعوة جلالته خريطة طريق متكاملة للاستقرار الإقليمي، تنطلق من إدراكٍ عميق بأن أي هدنة لا تتحول إلى سلامٍ عادل ستبقى هدنة مؤقتة تسبق انفجاراً محتملاً.
إلى جانب ذلك، شدّد جلالته على تعزيز الاستجابة الإنسانية في غزة وضمان وصول المساعدات بكميات كافية للحد من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، في تذكيرٍ للمجتمع الدولي بأن اختبار الإنسانية اليوم يبدأ من معابر القطاع، لا من بيانات المؤتمرات.
البيان المشترك الصادر عن الأردن ودول «ميد 9» جاء ليثبت دور الأردن كشريك موثوق وذي مصداقية في إرساء السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة المتوسط عموماً.
ولأن الأردن ثابت على البوصلة الأخلاقية والإنسانية، وأنه حين يتحدث، فإنما يفعل ذلك من موقع المسؤولية لا المصلحة، ومن منطلق الخبرة لا المجاملة، فقد أقرّت دول المجموعة صراحةً بأهميته كمركز إقليمي للمساعدات الإنسانية إلى غزة، وكركيزة أساسية في جهود إعادة الإعمار، إلى جانب التأكيد على الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات في القدس وضرورة الحفاظ على الوضع القائم فيها بالقول والفعل.
هذا التقدير الأوروبي المتجدد يعكس مكانة الأردن الدولية الاستثنائية، بوصفه دولة صديقة تحظى بالاحترام، ومرجعاً أخلاقياً وسياسياً في إدارة الأزمات المعقدة، وقوة ناعمة تمتلك رصيداً من الثقة والمصداقية.
تأتي مشاركة جلالته في قمة «ميد 9» للمرة الثانية على التوالي، وهو الزعيم العربي الوحيد المدعو إليها، لتؤكد أن الأردن غدا جزءاً من معادلة القرار في منطقة المتوسط، لا سيما وهو ينشغل بترسيخ ثقافة الاستقرار، وإعادة تعريف الأمن الإقليمي من منظور العدالة والتنمية والشراكة.
لقد وضع جلالته أمام القادة الأوروبيين معادلة واضحة؛ أن السلام الحقيقي يبدأ من غزة، وأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية استحقاقٌ أخلاقي وتاريخي. وفي ذلك إشارةٌ إلى مؤتمر حل الدولتين الذي عُقد في نيويورك مؤخراً، ودعوةٌ للبناء على مخرجاته كمنصة عملية لترجمة الوعود إلى التزامات.
تُثبت قمة «ميد 9» أن الحوار لا يزال أداة ممكنة، وأن الأردن، بفضل رؤيته الهاشمية المتزنة، ما زال قادراً على تحويل اللقاءات إلى فرص، والخلافات إلى جسور تواصل. فهذه القمة تشكل نموذجاً للتفكير الجماعي في مواجهة أزمات المناخ والهجرة والطاقة، وكلها قضايا يتقاطع فيها مصير الشرق الأوسط بجنوب أوروبا.
من سلوفينيا إلى بروكسل، ومن نيويورك إلى شرم الشيخ، يواصل الأردن أداء دوره الطبيعي، كصوت للاستقرار والعقلانية في بحرٍ متلاطم من الأزمات. فحين يتحدث جلالة الملك عن غزة، فهو يدافع لا عن الفلسطينيين وحدهم، بل عن الضمير الإنساني أيضاً. وحين يدعو إلى تعاون دولي لتطبيق اتفاق إنهاء الحرب، فهو يؤكد أن السلام شرط بقاءٍ مشترك للمنطقة والعالم على حد سواء.
هذا هو الأردن؛ لا يكتفي بالمراقبة، بل يصنع الفارق. وها هو الملك عبدالله الثاني؛ عنوان كبير للدبلوماسية المتزنة، وصوتٌ لا يعلو عليه صوت في الدفاع عن العدالة والسلام.
