في ظل التطورات العالمية المتسارعة التي نشهدها يوميا على مختلف الصعدة، تواجه الجامعات اليوم تحديات كبرى في كيفية إعداد جيل من الخريجين يمتلك المهارات اللازمة لمواكبة متطلبات سوق العمل الحديث. فبينما ظل التعليم الجامعي لقرون يعتمد على نهج التدريس التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على نقل المعرفة وحفظ المعلومات، بات من الضروري اليوم التحول إلى نموذج تعليمي يدمج مهارات القرن الحادي والعشرون التي تتجاوز حدود المعرفة النظرية لتشمل القدرات العملية والشخصية الأساسية للنجاح في البيئة المعاصرة.
ومن المعلوم أن التدريس التقليدي كان فعالًا عندما كان التركيز فيها على إتقان المعلومات الثابتة، وهو اسلوب يعتمد في الغالب على المحاضرات النظرية والاختبارات التي تقيس الحفظ والتذكر، لكنه في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي أصبح اليوم يتطلب مهارات تحليلية ونقدية تجعل من التعليم التقليدي محدود الفائدة كونه لا يوفر للطلبة الأدوات اللازمة للتكيف والابتكار. ونحن هنا لا ننكر أهمية التعليم التقليدي في إرساء الأساس الأكاديمي والمعرفي، لكن المطلوب اليوم هو الدمج بين ذلك وبين المهارات التي تمكن الطلبة من التفوق في مجالات متعددة تؤهلهم للنجاح في أسواق اقتصادية سريعة التطور.
وهي قدرات تشمل فيما تشمل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والقدرة على التحليل، وابتكار الحلول الفعالة، والعمل الجماعي في بيئات متعددة الثقافات، والإبداع والابتكار: اي القدرة على الخلق والتجديد. كما تشمل التعلم الذاتي والمستمر وتنمية مهارات التعلم المستقل لمواجهة المعرفة المتجددة، والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، ومهارات التعامل مع أدوات وتقنيات العصر الرقمي، والمرونة والتكيف مع التغيرات المتسارعة في مختلف المجالات.
ومن هنا تأتي أهمية دمج مهارات القرن الحادي والعشرين في الجامعات حيث تشير تقارير عديدة، منها تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والخبراء العاملين في منظمات التعليم العالمية، إلى أن بيئات التعلم التفاعلية التي تعزز هذه المهارات تؤدي إلى رفع جودة الخريجين وتؤهلهم بشكل أفضل للعمل والابتكار. وتجدر الاشارة الى أن العديد من الجامعات الرائدة أسهمت في تطوير مناهج تعزز هذه المهارات من خلال مشاريع عدة باستخدام وسائل التعلم القائم على حل المشكلات وتطبيق برامج تعنى بتنمية تلك المهارات، كما قامت بإعادة هيكلة المناهج لتشمل التدريب العملي والتطبيقي والأنشطة الطلابية الإبداعية.
الأمر الذي يتطلب من جامعاتنا دمج تقنيات التدريس التقليدي مع تقنيات مهارات القرن الحادي والعشرون وذلك بإعادة تصميم المناهج الدراسية بحيث تتضمن مواضيع وأساليب تعليمية تعتمد على التفكير النقدي، والمشاريع التطبيقية، والتدريب المستمر لأعضاء الهيئة التدريسية لرفع كفاءتهم في استخدام أساليب التعليم التفاعلي والتقنيات الحديثة. كما يتطلب تطوير بيئة تعليمية محفزة توفر مختبرات حديثة، ومساحات للإبداع، وفرص للتدريب العملي والتطبيقي. إضافة للتركيز على التقييمات النوعية بدلاً من القياس التقليدي الذي يعتمد فقط على قدرة الطالب على الحفظ والتذكر، مع الأخذ بعين الاعتبار مهارات العمل الجماعي، والابتكار، وتعزيز الشراكات مع قطاعات الصناعة لربط التعليم بسوق العمل ولتمكين الطلاب من الاطلاع على متطلبات سوق العمل الحديثة.
وكما يرى العديد من خبراء التعليم والتنمية، أن الجامعات اليوم مطالبة بتغيير نماذجها التعليمية لتتجاوز الحفظ والتلقين، وتركز على تأهيل طلبة قادرين على الابتكار والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وهو ما يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعاتنا. وفي هذا الصدد أشارت دراسة لمنظمة اليونسكو إلى أن التركيز على مهارات القرن الحادي والعشرون في التعليم العالي يلعب دوراً محورياً في تحقيق الأهداف التنموية المستدامة، ويكفل إعداد جيل جديد من القادة والمبدعين.
الخلاصة: ان أهمية التوجه نحو دمج مهارات القرن الحادي والعشرين في التعليم الجامعي لا تقتصر على تحسين جودة التعليم فقط، بل تمتد لتشمل تشكيل جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع انطلاقة رؤية التحديث الاقتصادي. الأمر الذي يتطلب تغييرًا جذريًا في طرق التدريس التقليدية المتبعة حاليا، واستثمار الفرص التكنولوجية والتربوية الحديثة الهادفة لتعزيز تجربة التعلم والتعليم، مما يجعل جامعاتنا حاضنة للابتكار ومراكز لتطوير الكفاءات التي يحتاجها الوطن في مسيرته التنموية.
