غزة ما بعد الحرب ليست مجرد مساحة من الركام تنتظر إعادة البناء، بل مشهد معقّد تتقاطع فيه الجغرافيا بالسياسة، والإنسان بالقانون، والذاكرة بالمستقبل. ونحن اليوم في “أكتوبر جديد”، بعد عامين على حربٍ بدأت في أكتوبر 2023، نقف أمام مفارقة تاريخية قاسية: ذات الشهر الذي حمل بداية الدمار، يطلّ من جديد محمّلاً بأسئلة العدالة، والمساءلة، والقدرة على النهوض.
الحديث عن غزة في هذه اللحظة لا يمكن أن ينحصر في الأرقام ولا في المشهد الإنساني وحده، فالقانون الدولي الإنساني يقف هنا شاهداً على اختبارات قاسية لمدى التزام العالم بمبادئه. ما جرى في الحرب الأخيرة فتح جروحاً قانونية عميقة: التناسب في استخدام القوة، حماية المدنيين، مسؤولية الاحتلال في ضمان الممرات الإنسانية، ومساءلة الانتهاكات الجسيمة. هذه ليست قضايا نظرية، بل هي التي ستشكّل الإطار القانوني لأي عملية إعادة إعمار جادة. لأن من دون مساءلة حقيقية، ومن دون تحديد المسؤولية القانونية عمّا حدث، ستبقى إعادة البناء فعلاً مادياً هشّاً فوق ركام من الظلم.
وفي المقابل، لا يمكن أن تُبنى غزة بالانتقام أو بالخطاب السياسي العابر، بل بعقل قانوني وتنموي يوازن بين العدالة والبراغماتية. إعادة الإعمار ليست مشروع هندسة مدنية، بل مشروع سيادة قانون: من يملك الحق في إدارة الموارد؟ من يوقّع الاتفاقيات؟ من يضمن أن المساعدات ستذهب للغرض الإنساني الذي أُنشئت من أجله؟ هنا يظهر دور القانون الدولي مرة أخرى كإطارٍ لضبط السلوك وضمان أن لا تتحول المساعدات إلى أداة ضغط أو ابتزاز سياسي.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز دور الأردن كعنصر توازن ضروري في معادلة ما بعد الحرب. فالأردن لا ينطلق من موقع الجغرافيا فقط، بل من إرث سياسي وإنساني قائم على مسؤولية تاريخية تجاه فلسطين، وعلى فهم دقيق لطبيعة الصراع وتشابكاته. خبرة الأردن في إدارة الملفات الإنسانية، وقدرته على العمل مع مختلف الأطراف دون أن يفقد مصداقيته، تجعل منه مرشحاً طبيعياً لقيادة جهود تنسيق عملية إعادة الإعمار وتحويلها من مشاريع متناثرة ومتنافسة إلى عملية منسّقة ومتوازنة تحفظ الحد الأدنى من العدالة والكفاءة.
الأردن قادر على أن يكون الجسر بين الرؤية القانونية والواقع الميداني: بين متطلبات المانحين الدوليين وحاجات السكان، وبين المبدأ الإنساني والسياسي. فوجوده ضمن أي آلية مستقبلية للإعمار يمكن أن يضمن النزاهة والشفافية ويُعيد الثقة بالعملية ككل. كما أن علاقاته الإقليمية المتزنة ومكانته القانونية في المنظومة الدولية تتيح له أن يضغط نحو مقاربة تحترم القانون الدولي الإنساني وتربط الإعمار بإعادة الحياة وليس بإعادة السيطرة.
أكتوبر الجديد هو لحظة مراجعة شاملة: كيف نمنع تكرار الحرب؟ كيف نحمي القانون من أن يصبح مجرّد نصوص عاجزة؟ وكيف نحول إعادة الإعمار إلى فعل عدالةٍ واستقرار، لا إلى صفقةٍ سياسية مؤقتة؟ إن مستقبل غزة لا يُقاس بعدد الأبنية التي ستُقام، بل بمدى قدرة أهلها على استعادة حقوقهم الأساسية في الأمان، والتنقل، والكرامة، وهي الحقوق التي كفلها القانون الإنساني الدولي وأكدتها كل المواثيق.
من هنا، يصبح دور الأردن وغيره من الدول ذات الموقف المبدئي حجر الزاوية في صياغة مستقبلٍ جديد لغزة، مستقبلٍ يُبنى لا على أنقاض الحرب فحسب، بل على أسس قانونية وإنسانية قادرة على أن تمنح هذا الشعب ما يستحقه من حياة كريمة وسلامٍ عادلٍ دائم.
محامٍ وخبير قانوني
