أما وقد خفتت أصواتهم وتوارت أشكالهم عن المشهد المطل من شرم الشيخ، فلا بأس من اختراق حاجز الصمت! من حقنا أن نقول للمُصرّين على التنغيص على فرحة الغزيين، أشياء صراحة، وأشياء أخرى مواربة، ونكتفي بالإشارة من بعيد إلى ما وجب كتمه خلف جدار الصمت إلى حين، أقله حتى تمر ما تبقى من الساعات الاثنتين والسبعين الفاصلة بين الحرب والسلام.
قد يكون من الواجب الإنساني والوطني قبل الأخلاقي والمهني، واجب القائمين على حراسة الفضاء العام من كل ما يتصل بالرأي والمزاج العام، من واجبهم أولئك الممسكين بقلم النشر والحظر، الموافقة والممانعة، أن يقول لكل من هلل وكبر لكارثة السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من محاولات محمومة مسمومة للنيل من الأمن القومي الأردني والمصري على وجه الخصوص، من واجبهم أن يقولوا بالفم الملآن، كفى.
كفى.. ومن الأجدى للمتلونين الذين لم يروا ولم يسمعوا كيف خفتت أصوات وتوارت أشكال عن الأنظار بمجرد «مباركة» عاصمتين إقليميتين خطة ترمب التي أصروا على مهاجمتها قبل وخلال القمة العربية الإسلامية الأمريكية المصغرة في النيويورك، حتى انقسم الفريق ذاته في العاصمتين إلى شعبتين واحدة تشكك والأخرى تحذر وتتوعد! إنما هي الفرقة والبلبلة والفتنة، ما تغيرت ما دام عالم الطبيعة يحوي صنوفا من الأفاعي والحرابيّ. قد عادوا إلى سيرتهم الأولى وما جفّ بعد حبر اتفاق شرم الشيخ.
ما دام وقف الحرب متوقفا على إتمام المرحلة الأساسية والتأسيسية بالنجاح التام، وهو تسليم جميع الرهائن الأحياء والأموات، ومن بين جثامين من قضوا خلال عامي الاختطاف والاحتجاز مواطنان من مزدوجي الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية، فإن أي تعبير أو تنظير يعزز من سرديات ما قبل وبعد «الطوفان» الحمساوي سيؤذي جميع العاملين بصدق وحرص على وقف حرب غزة ومنع التهجير بأنواعه الخشن والناعم، وضمان التواصل الجغرافي والبشري بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وقيام الدولة الفلسطينية الموعودة والمدعومة دوليا، وربما لاحقا أمريكيا وحتى إسرائيليا.
رغم محبتي وعرافني الكبير لمن نحت شعار «الرأي والرأي الآخر» أستاذنا جميل عازر بارك الله في عمره، إلا أن بعض المستترين وراء هذا الشعار المهني والأخلاقي الرفيع، أبعد الناس عن الصحافة والسياسة، والأهم الوطنية والإنسانية. صور شرم الشيخ 2025 -التي شهدت قبل ربع قرن مؤتمرا دوليا لإدانة الإرهاب وصنع السلام- كانت في لغة الجسد البادية على المشاركين فيها ربما المؤشر الأول على التغيير التدريجي، وكذلك زاوية التغطية والخط التحريري إخباريا وبرامجيا، في تقارب كان غير مسبوق بين ما يبث للداخل وللجوار وللعالم.
المنابر أمانات وليست الأقلام، والميكروفونات، والكاميرات، وحدها. وقد آن أوان كسر حاجز الصوت أمام من يتلاعبون صمتا أم نطقا بالوعي العام عبر عدم المجاهرة بقول الحق أو عبر إطلاق التصريحات العنترية بشكل بات مفضوحا لتوزيع الأدوار، فضلا عن تلك المسيرات العبثية والهتافات المقيتة التي تمازج الآن بين التحريض والتخريب، تخريب فرص إنجاح خطة حقن الدماء، وسد ثغرات التهجير بأنواعه، وإعادة الإعمار، وتقرير المصير وإقامة الدولة، بما يوفر مبررات التنصل، إسرائيليا كان أم غيرها من الأطراف الدولية.
