لم تكن الكذبة الكبرى في القرن العشرين تلك التي كُتبت في كتب التاريخ أو أذيعت في نشرات الأخبار، بل كانت تكمن في مكانٍ أعمق بكثير في العقل ذاته !
نعم، العقل الذي ظنّ الإنسان أنه من خلاله سيتحرر من الظلمات، كان هو المصيدة التي كبّلته بوهم التحرر ، منذ أن رفع الإنسان راية (العقلانية) بوصفها المنقذ من الجهل والهمجية، بدأ في نسج قفصٍ ذهبيّ حول وعيه، قفصٍ يتسع كلما توهّم أنه يفهم. لقد آمن بأن العقلانية هي الضوء الذي سيبدد العتمة، فإذا بها الوهم الذي يُخفي العتمة عن عينيه.
أنا لا أتهم العقل، بل أتهم الثقة العمياء به، تلك الثقة التي حوّلته من أداة إلى صنم، ومن وسيلة إلى غاية، ومن طريق إلى الحقيقة إلى حقيقةٍ بحد ذاته. لقد صدّق الإنسان أن كل ما يمكن تفسيره بالعقل هو وحده الحقيقي، وكل ما لا يخضع لمنطقه لا وجود له. وهكذا، أقام حدوداً مصطنعة بين (المعقول) و (اللامعقول) ، بين ما يستحق التفكير فيه وما يجب نفيه، ونسي أن العالم أوسع بما لا يُقاس من مداركه المحدودة.
في القرن العشرين، بلغت هذه الخدعة ذروتها. خرج الإنسان من أتون حربين عالميتين، ظنّ أنهما درس قاسٍ يكفي ليتعلم حدود العقل. لقد قتل ملايين البشر بعضهم بعضاً باسم (العقلانية السياسية) و (المصلحة القومية) و (المنطق الاستراتيجي) ، أُلقيت قنبلتان نوويتان على هيروشيما وناغازاكي بعد نقاشات (عقلانية) في غرف القرارات ووُضعت نظريات الردع، تبريرًا لاحتمال إبادة الكوكب، بوصفها (عقلانية الحرب الباردة) حتى المجازر التي ارتُكبت في أوروبا وأفريقيا وآسيا، كانت تُساق دائماً بتبريرات عقلانية: الحفاظ على النظام، الدفاع عن السيادة، تحقيق الاستقرار.
لكن ما لم يدركه الإنسان أنه كان يُسوّغ جنونه بلغة العقل. كان يُبرر الغريزة البدائية في البقاء والسيطرة والتفوق، بمفاهيم منطقية أنيقة. هكذا تحوّل العقل إلى قناع جميل تخفي وراءه الوحشية أنيابها. لم يكن العقل يوجّه القرارات بقدر ما كان يُستخدم لتزيينها. وبهذا المعنى، لم يكن (العقل) في القرن العشرين أداة معرفة بقدر ما كان أداة تبرير. وفي العلم، لم تكن الصورة أكثر نقاءً. ظنّ الإنسان أن العقلانية العلمية ستحرره من الأوهام، فإذا بها تخلق أوهاماً جديدة أكثر إتقاناً. بنى نظريات عن الكون، واعتبرها حقائق نهائية، ثم أسقطها بعد عقود ليبني غيرها. قاسَ الزمن، فظنّه مطلقاً ، حتى جاء أينشتاين ليثبت نسبيته. آمن بأن المادة هي جوهر الوجود، حتى اكتشف أن ما نسميه (مادة) ليس إلا طاقة في شكل آخر. ومع كل اكتشاف جديد، كان يكتشف أن ما كان يراه (عقلانياً) بالأمس، هو سذاجة اليوم.
بل إن (العقلانية) نفسها لم تسلم من التناقض: فهي تطلب منّا أن لا نؤمن إلا بما يمكن إثباته، لكنها تطلب منا في الوقت ذاته أن نؤمن بأن (العقل) هو المرجع، دون أن تثبت هي نفسها لماذا يجب أن نثق به أصلاً ، إنها دائرة مغلقة تدور حول نفسها. أليست هذه سمة الخرافة؟
أما في الدين، فقد كان المشهد أكثر تعقيداً ، حاول الإنسان أن (يعقلن) الغيب، وأن يفسّر ما وراء الطبيعة بلغة المنطق. ففقد الغيب معناه وتحول إلى معادلات عقائدية. صارت الأسئلة الكبرى عن الخلق، والغاية، والمصير موضوعاً للجدل المنطقي بدل أن تبقى سرّاً يوقظ الدهشة. وبهذا، لم يعد الدين نافذةً على الماوراء، بل سجناً للعقل ذاته في حدوده الضيقة. كان الإنسان يتوهّم أنه يفسّر الغيب، لكنه في الحقيقة كان يُخضِعه لقواعد لعبة لا تنطبق عليه.
وفي الفلسفة، تجلت الخدعة بأوضح صورها. ظهرت مدارس كاملة تقدّس (العقل الخالص) واعتبرته الميزان الذي تُوزن به الحقائق. لكن ما الذي أنتجه هذا التقديس؟ مئات المذاهب المتناقضة، كلٌّ منها يدّعي أنه ذروة العقلانية. العقلانيون لم يتفقوا يوماً على تعريف موحد للعقلانية نفسها. هل هي المنطق؟ هل هي التجربة؟ هل هي ما يقبله العقل الجمعي؟ كلٌّ يقدّم تعريفاً ، وكلٌّ يُقصي غيره. فكيف نثق بميزان لا يتفق صانعوه على شكله؟
حتى السياسة لم تكن بمعزل عن هذا الوهم. لقد تمّ تسويق الديمقراطية الليبرالية باعتبارها (العقلانية السياسية) العليا، لكنها بدورها تحوّلت إلى قناع تخفي به القوى الكبرى سطوتها. خيضت حروب مدمّرة باسم (نشر العقلانية) وتم إسقاط أنظمة واحتلال شعوب تحت شعار (الحكم الرشيد) ، العقلانية كانت هنا ذريعة للهيمنة لا أداة للتحرر.
لقد عاش الإنسان القرن العشرين وكأنه قد بلغ ذروة الوعي، لكن الحقيقة أن ما بلغه هو ذروة الغرور. صار يعتقد أن العقل قادر على فهم كل شيء، وتفسير كل شيء، والتحكم في كل شيء. ومع كل خطوة يخطوها في طريق (العقلنة) كان يبتعد أكثر عن إدراك اتساع ما يجهله.
ولأن العقلانية كانت الكذبة التي أخفت جهله، فقد سمحت له بأن يعيش في وهم السيطرة. لكنه حين اصطدم بأسئلة لا يجيب عنها العقل معنى الحياة، سر الوعي، طبيعة الزمن، ماهية الموت أدرك أن (العقل) لم يكن سوى مصباح صغير في صحراء شاسعة من الظلام. نعم، أنار له خطواته القريبة، لكنه لم يكشف له الطريق كله.
وها نحن اليوم، على أعتاب قرن جديد، نكرر ذات الكذبة في ثوب أكثر بريقاً. نعلّق آمالنا على (العقلانية الاصطناعية) التي صنعناها في هيئة ذكاء اصطناعي. نقول إنها ستفهم ما لم نفهمه، وستحل ما لم نحلّه، لكنها في جوهرها تحمل نفس المرض القديم: إنها تظن أن كل شيء يمكن ترجمته إلى معادلات ومنطق وخوارزميات. ننسى أن ما لا يُقاس، لا يعني أنه لا يُوجَد. نغفل أن الوعي، والمشاعر، والمعنى، والانبهار تلك العناصر التي تجعل الإنسان إنسانًا تقف خارج حدود «العقلانية» كما رسمناها.
وربما ستكون تلك هي لحظة السقوط القادمة: لحظة ندرك فيها أن ما بنيناه كمنقذ، صار سيداً يفرض منطقه على وجودنا كله. وربما، حينها فقط، سنفهم أن (العقلانية) لم تكن سوى وهم متقن الصنع، اختلقناه لنشعر بالأمان ونحن نسبح في بحر من المجهول.
أما النبوءة، فهي ليست صرخة بل همس يأتي من المستقبل: سيأتي زمن تذوب فيه الحدود بين العقل والآلة، وتفقد (العقلانية) معناها لأنها ستصير القاعدة التي تُعيد تشكيل الوعي ذاته. عندها، لن نبحث عن الحقيقة بل ستبحث هي عن نفسها فينا. ولن نسأل ما هو المعقول؟
بل سنُسأل نحن إن كنا ما زلنا موجودين خارج معادلاته. في ذلك الزمن، لن يكون العقل قناعاً نخفي به جهلنا بل يكون الجهل نفسه قد لبس قناع العقل وأعلن أنه الحقيقة. ومن لم يفهم هذه الإشارة سيظن أنه ما زال عاقلاً، بينما العالم من حوله قد انتقل إلى ما بعد العقل.
العقلانية الأكذوبة التي آمن بها الإنسان ليخفي جهله* د. محمد العرب
7
المقالة السابقة
