استذكرت ندوة نظمها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، الكاتب والشاعر الأردني الراحل أمجد ناصر بمشاركة عدد من النقاد والأكاديميين والأدباء والكتاب العرب.
وتحدث في الجلسة الأولى «في التجربة الشعرية» وترأستها الكاتبة بسمة نسور، الكاتب صبحي حديدي «أمجد ناصر وقصيدة النثر: ثلاث مجازفات في الشكل والمحتوى»، ود.زياد الزعبي «الصورة في شعر أمجد ناصر»، ود.جمال مقابلة «اللمعات النقدية في شعر أمجد ناصر»، ود.مها العتوم «مفهوم قصيدة النثر عند أمجد ناصر».
وبين المتحدثون أن ناصر «أحد الأصوات الأبرز في جيل من الشاعرات والشعراء عريض وتعددي وغنيّ، صعد منذ أواسط سبعينيات القرن المنصرم وتسيّد المشهد لاعتبارات شتى قد يكون في طليعتها دأبُ التجريب، وجسارته، ومحاسنه، وعثراته».
وأشاروا إلى أن أعماله الإبداعية «ملتبسة في تجنيسها، متمردة في لغتها، ممتدة في أطرها الجغرافية المتباعدة مكانيا وحضاريا ولغويا»، ولفتوا إلى أنّ شعر أمجد ناصر «يظهر نزوعًا ميتاشعريًا يعكس وعيًا نقديًا عميقًا بمفهوم الشعر وحدوده؛ لأنّه يكتب قصيدة يصف فيها العالم وهو يتأمل فعل الكتابة المدهش في ذاته، وهو الفعل الذي يمكّنه من القدرة على وصف هذا العالم كما يراه».
وأوضحوا أن ناصر قدم خلال تجربته «قصيدة نثر متكاملة الأركان والملامح»، وأنه «أحد أكثر شعراء جيله دأبًا على المغامرة والتجريب وولوج مناطق شعريّة جديدة خاصّة بعد ديوانه (الحياة كسرد منقطع) الذي رسّخه واحدًا من أهم شعراء قصيدة النثر العربيّة».
أما الجلسة الثانية «قضايا ثقافية وأسلوبية»، وترأستها د.بثنية البلخي، فقد تحدث فيها الكاتب فخري صالح «الأسلوب الأخير: أمجد ناصر في (مملكة آدم)»، ود.ليديا راشد «سؤال الهوية ولعبة السرد في (حيث لا تسقط الأمطار)»، ود.فاطمة محيسن «شعرية الرحلة والآخر الثقافي: (بلاد ماركيز) أنموذجا»، ود.ليث الرواجفة «جماليات الأبعاد الثقافية في شعر أمجد ناصر».
وأشار المتحدثون في أوراقهم إلى أن أمجد ناصر «عُرف شاعرًا طليعيًّا يتجاوز الأشكال الشعرية بشجاعة منحازًا إلى حرية التعبير والتشكيل في القصيدة النثرية منذ ديوانه الأول، غير أنه لم يكن شاعرا فحسب، إنما كان سرّادًا ذكيًّا تتسلل جماليات أسلوبه الوثاب إلى التمرد في شعره وسرده معًا».
وقالوا إن ناصر «أبدع في أدب الرحلة، حيث امتازت كتاباته في هذا الجنس الأدبيّ بأنها تحفل بالمرجعيات؛ فكتب الرحلة كمن يكتب بحثًا، وأبدع في خطّ رحلاته التي نجد في كل واحدة منها إحالات عديدة وغنيّة تذكّرنا بقوّة بمذكرات كازانتزاكي المليئة بالرموز والتأملات».
وتحدث في الجلسة الثالثة التي ترأسها الأديب مفلح العدوان وجاءت بعنوان «المقال وكتابة الذات»، الشاعر حسين جلعاد «بين الشعر والموقف.. جمالية المقال الصحفي عند أمجد ناصر»، والروائي يحيى القيسي «المقال الصحفي وكتابة الذات»، ود.محمد عبيدالله » كتابة الذات وشعرية النثر».
وأشار المتحدثون إلى أن تجربة أمجد ناصر «تشكّلت في منطقة وسيطة بين الإبداع الشعري والممارسة الصحفية. بدأ الصحافة في عمّان وواصلها في بيروت، ومع انتقاله إلى لندن في ثمانينيات القرن العشرين، دخل عالم الصحافة الثقافية والسياسية من بابها العريض، ليصبح أحد أهم الأقلام التي كتبت المقال الأسبوعي بأسلوب فني لا يخلو من الشاعرية والتهكم والحس التاريخي معًا».
وقالوا إن أمجد ناصر «لم يكن يكتفي بالانحياز الواضح للقضايا الوطنية الكبرى كمثقف عضوي مشتبك مع أمته، بل تناول المسائل الشخصية التي تبدو عادية، إذ كان يلتقطها بذكاء، وينفخ فيها من قدراته البلاغية والمعرفية لتغدو مسألة عامّةً، وهو بكلّ ذلك يسعى إلى أن تخرج بعد قراءتك لمقاله وأنت مقتنع برأيه».
الجلسة الرابعة التي ترأستها الشاعرة وفاء جعبور وحملت عنوان «التجربة الروائية والسردية»، تحدث فيها كل من د.أماني سليمان » شعرية الرواية في (هنا الوردة)»، ود.عماد الضمور «جماليّة أدب الرحلات.. (خبط الأجنحة) أنموذجًا،» ود.لينداء عبيد «الرواية والتقنية في (حيث لا تسقط الأمطار)»، ود.نداء مشعل «(هنا الوردة): استعارة الغياب في الرواية العربية المعاصرة».
وأكد المتحدثون أن أمجد ناصر «امتلك حساسية في استخدام الأنساق الجمالية التي يستبطنها الشعر مبدعا نسيجا لغويا شفافا وموحيا، وأكثر ما يلفت النظر في روايته (هنا الوردة) هو لغتها التي تجاوزت غاية الإبلاغ السردي وتعالت عليه لتتماس مع غيوم الشعر، ولم يبد ذلك ناتئا في النص أو مجاوزا؛ بل تمظهر جليا في التناغم بين السرد وطبيعة الشخصية المركزية التي اختارتها الرواية».
وبينوا أن أدب الرِّحلة بالنسبة للشاعر أمجد ناصر «رحلة معكوسة في التاريخ والجغرافيا تكشف عن المتشابهات الحضارية باختلاف الزمان من جهة، ورحلة من الموضوع إلى الذات لاختبار الذاكرة من جهة ثانية».
وترأس الجلسة الأخيرة الكاتب مفلح العدوان، وجاءت بعنوان «شهادة في الصداقة والهجرة والقصيدة »، وتحدث فيها الشاعر نوري الجراح «شهادة في الصداقة والهجرة والقصيدة المتمردة»، ود.غسان زقطان «أفكارك في مأمن وكتابك يمشي في الحديقة»، بالإضافة إلى شهادة عائلة الشاعر قدمتها أبنة أخ الراحل ليلى النعيمي.
في ورقته اعتبر الشاعر نوري الجراح أمجد ناصر وعباس بيضون وسركون بولص وبسام حجار وعددا قليلا آخر من شعراء قصيدة النثر «رواد الموجة الثانية»، بل إن منجزهم الجمالي والفكري «يتفوق بمراحل على شعراء الموجة الأولى”,
وقال زقطان إن التكوين الغريب الذي شكل تجربة أمجد ناصر منحه «التمازج المبدع بين النشأة بتقشفها، سواء في مشهدياتها التي تغلب عليها العناصر القليلة لطبيعة البادية، ما يسمح للمتأمل أن يحدق في كل شجرة على حدة، وفي كلّ ظلّ قد يلوح.. والسعي في مدن الآخرين بلا أباليتها وما انطوت عليه من تجاهل وقسوة، وهو ما فعله أمجد في مشروعه الشعري الذي عمقه في جهده السردي اللاحق».
