بعد القمة العربية الاسلامية الطارئة التي عقدت في الدوحة تضامناً معها، إثر العدوان الاسرائيلي عليها، وتعليقاً على المقررات التي صدرت عنها، نشرت صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية ما يلي: “آليات الأمن في الدول العربية صممت لمواجهة العدو الداخلي. أما مواجهة المخاطر الخارجية فأوكلت إلى “صديقتنا” أميركا، استمراراً لتقليد صديقتنا انجلترا قبل مئة عام. كان الاستعمار ولم يغادر قط. تملك اسرائيل القدرة على تدمير قصور أي زعيم عربي -وقد هددهم نتانياهو علناً- وإذا لم تفعل ذلك، فهذا لا يعود إلى هيبتهم بل إلى حسابات وزير صاعد مثل اسرائيل كاتس. لقد أغدق زعماء العرب على ترامب مبالغ فلكية خلال زيارته الأخيرة، ومع ذلك لم يلبّ لهم أي طلب. يطالبون بعدم ضم الضفة الغربية، فيما سموتريتش هو صاحب الكلمة العليا ويمارس التطهير العرقي بلا رادع. فمن اين ينبع هذا الشعور المزمن بالنقص لدى القادة العرب؟ إنهم في المربع الناقص على خريطة النفوذ العالمي. بلا نفوذ. بلا صوت. بلا وجه. قادة مضطهدون من القوة العظمى الأميركية ويردّون على ذلك باضطهاد شعوبهم. في المقابل، كلمة واحدة من وزير اسرائيلي مغمور تترك أثراً في واشنطن أعظم من أثر العالم العربي بكل شعوبه ومئات الملايين الذين يسكنونه”!
عندما تقرأ اسرائيل قادة العالم العربي بهذه الطريقة، فلماذا ستقيم لهم وزناً واعتباراً وتعرفهم جميعاً مباشرة أو غير مباشرة، وعندما تفعل ما تفعله في غزة ويظهرون عاجزين عن التأثير بأي أمر، وتدعمهم في ذلك أميركا بشكل دائم، وهي التي صوّتت بعد القمة ضد قرار في مجلس الأمن وافق عليه جميع الأعضاء إلا هي، وسقط، يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة. فهذا يعني أن الإرادة الأميركية الاسرائيلية الواحدة تهدف إلى استكمال الإبادة الجماعية وتدمير غزة واحتلالها وتهجير أهلها. وهذا ما يجري بعمل حربي جنوني وبارتكاب فظاعات حركت مشاعر كثيرين على ساحات العالم ولم يتحرك أحد بشكل فاعل على المستوى العربي.
ضربت الدوحة. عقدت قمة دعت إلى اعتماد آليات للدفاع العربي المشترك! ولن تكون آليات وقرارات. والسفير الأميركي في اسرائيل مايك هاكابي يؤكد: “حماس لن تبقى في غزة بعد 10 سنوات بل في الحقيقة اعتقد لن تبقى 10 أشهر. يجب أن نرسل من يحكم القطاع. ولن يستمر وجودها فيه”. لا كلمة عربية. أما الرئيس الفرنسي ماكرون فقال: “إذا استمرت العملية في غزة بقرار حكومي اسرائيلي، فيجب أن نناقش فرض عقوبات على اسرائيل. العملية خلّفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، لدرجة تدمّر صورة اسرائيل ومصداقيتها، وبقاء المستوطنات في الضفة دليل على أن الهدف ليس تفكيك حماس بل القضاء على حل الدولتين”. هل ثمة أوضح من ذلك عشية التصويت على إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة؟ اسرائيل ستستمر في عدوانها قبل القرار وبعده. إذ ليس في مشروعها إلا استباحة المنطقة كلها واستضعاف كل قادتها وأنظمتها وفرض شروطها وتحقيق اسرائيل الكبرى بالقوة والإخضاع. ردّت على ماكرون بالتهديد بإقفال القنصلية الفرنسية في القدس والتعدي على أراض فرنسية مثل مزار إليونا المسيحي، وأكدت إصرارها على ضم الضفة. ماذا فعل العرب؟ هم ينتظرون الآليات؟ في إيطاليا مرفأ رافينا منع دخول سفن تحمل شحنات عسكرية إلى اسرائيل، بعد احتجاج عمال المرفأ ضد الحرب على غزة. ماذا فعلوا؟ هل تجرأ أحدهم على منع مرور الطائرات الاسرائيلية فوق أجوائهم؟ والمرور إنجاز تاريخي سياسي اقتصادي تجاري مالي، كانت تسعى إليه اسرائيل منذ سنوات طويلة وتطلب إلى أميركا الضغط على “حلفائها” لإقناعهم به، وقد حصلت عليه مجاناً. بعد القمة: أعلنت “هآرتس” ان وزير المالية الاسرائيلي سموتريتش سافر إلى الهند على متن “فلاي دبي”، برفقة وفد كبير من مسؤولي وزارة المالية الاسرائيلية رغم أنه مطلوب للعدالة، هل هذا الإجراء هو ترجمة لقرارات القمة؟
منذ عقود والدول العربية تتعرض لاعتداءات اسرائيلية والأنظمة تعلن “سنردّ في الزمان والمكان المناسبين”. النتيجة وأمام ما نراه اليوم، الغطرسة الاسرائيلية لا ترى أحداً أمامها وتستبيح كل شيئ: الزمان يمشي ويأخذ معه كل مخلفات الأنظمة ورجالها ويترك الرواسب، ويتجاوز الجميع واسرائيل تتقدم. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فلن يبقى مكان وزمان للحركة أمام العرب.
سمعت منذ مدة من مسؤول دبلوماسي كان في جولة في المنطقة، أنه مصدوم لما سمعه. وتحدث كثيراً عن ضرورة التحرك والاستفادة من بعض المواقف الدولية وأصوات الاعتراض واتخاذ خطوات بمستوى ما يجري في فلسطين، وإلا فإن الخطر سيصل إلى الجميع فسئل: “ماذا كان الجواب”؟. قال: سمعت أحدهم يقول: “قتلوا الملك فيصل”. وفهمكم كفاية.
تحية إجلال وإكبار واحترام لأطفال ونساء ورجال وأمهات وشهداء وجرحى وأسرى فلسطين الصابرين الصامدين في وجه حملة الإبادة والمحرقة العلنية، والثابتين على أصالتهم وأمانتهم وأقداسهم وأرضهم وعنوان الكرامة والعنفوان. ستبقى فلسطين القضية التي لا تموت والحق الذي سينتصر مهما طال الزمن رغم ذل وهوان وخذلان العرب بين الزمان والمكان.
