الرأي – محرر الشؤون السياسية –
تشكل حادثة إطلاق النار عند معبر اللنبي التي وقعت اليوم الخميس واقعة محمّلة بالمعاني والدلالات، التي تمسّ مباشرة دور الأردن الإنساني والسياسي في الإبقاء على شريان المساعدات مفتوحاً لغزة، وتضع جهود المملكة أمام اختبار صعب في مواجهة احتلال يتربص بأي ذريعة ليضيّق الحصار ويمارس مزيدا من التشدد في تعطيل مرور المساعدات الإنسانية .فهل يمكن لبوابة استثمر فيها الأردن كل علاقاته الدولية لتظل شريان حياة إلى غزة أن تتحول في لحظة إلى عبء يهدد هذا الشريان نفسه؟ وكيف لحادثة فردية أن تعيد ترتيب الأوراق لصالح من يتقن استثمار التفاصيل الصغيرة ليبني عليها مكاسب كبرى؟
لقد شكّل خط المساعدات الأردني إلى غزة منذ عامين متنفساً أساسياً لشعب محاصر ومجوّع. أكثر من 8664 شاحنة عبرت منذ بدء العدوان، حاملة ما يفوق مئات آلاف الأطنان من الإغاثة. هذا الخط لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة جهد سياسي ودبلوماسي مارسه الأردن بإصرار، حتى غدا موضع ثقة المنظمات الدولية والمجتمع الدولي غير أن استغلال هذه البوابة الإنسانية لتنفيذ عمل مسلح يهدد بتحويلها من شريان حياة إلى ذريعة لإغلاقها.
هنا يبرز السؤال الذي يعيد صياغة المأساة: أيهما أكثر جدوى؟ قتل عاملَين على الحدود، أم إطعام آلاف الغزيين الذين ينتظرون لقمة النجاة؟ إن خسائر كهذه لا تُقاس فقط بعدد الأرواح، بل بما تفتحه من أبواب لإسرائيل لتروّج بأن القوافل غير آمنة، وتضع المجتمع الدولي أمام خيار الانسحاب أو فرض قيود أشد.
إسرائيل لا تحتاج إلى مبررات جديدة لتضييق الخناق على غزة أو خنق الضفة الغربية، لكنها توظف مثل هذه الحوادث لتبرير ما تخطّط له سلفاً. إغلاق المعبر لأيام قادمة، يشكل تعقيدا لحركة المسافرين الفلسطينيين، تعزيز مشروع الضم وتوسيع الاستيطان، وتبرير نشر قوات إضافية على الحدود مع الأردن… كلها نتائج متوقعة ستجنيها إسرائيل من حادثة فردية.
وهكذا يجد الأردن نفسه في خانة المدافع بدلاً من المبادِر، مضطراً إلى مواجهة آثار حادثة لم يكن شريكاً فيها، لكنه يتحمل أعباءها كاملة. فكل عملية من هذا النوع تعيد الأردن إلى المربع الأول، وتقلل من قدرته على المناورة في الساحات الدولية للحفاظ على استمرار خط المساعدات.
بيان وزارة الخارجية الأردنية جاء متسقاً مع هذا الإدراك. فهو من جهة يرفض الحادثة بوصفها خرقاً للقانون وتعريضاً للمصالح الأردنية للأذى، ومن جهة أخرى يضعها في سياق أوسع، بتأكيد أن الحل الجذري لا يكون إلا بوقف العدوان على غزة والتوصل إلى تسوية عادلة على أساس حل الدولتين. البيان، إذاً، ليس مجرد إدانة لحادثة معزولة، بل هو تثبيت لموقف مبدئي يربط بين سلامة الدور الإنساني الأردني وبين الحاجة إلى معالجة سياسية شاملة.
تسببت اسرائيل على مدى عامين في تراكم القهر في أنفس الشعوب العربية، وانفجر لديهم بركان الغضب لهول المجازر التي ترتكبها جهاراً نهاراً في غزة، لكن ردات الفعل الاندفاعية تضعنا مرة أخرى أمام معضلة الخطاب العاطفي غير المحسوب في مواجهة الاحتلال الذي لا يفوّت فرصة لتوظيف أي حدث لصالح مشروعه.
إن هذه الحوادث تذكير صارخ بأن مواجهة الاحتلال لا تُدار بردود أفعال آنية، بل باستراتيجيات محكمة تُحسَب فيها كل خطوة بميزان السياسة والقانون والدبلوماسية، حفاظاً على القليل الذي انتُزع بشق الأنفس، وصوناً لمصلحة أهل غزة الذين يواجهون يومياً جوعاً وموتاً متعمداً.
الأردن سيبقى على خط الدفاع الأول عن الحق الفلسطيني وعن حياة الغزيين، لكنّ مثل هذه العمليات تجبره على استنزاف رصيده السياسي وتضيّق من هامش حركته الدولية. إن دروس الحادثة واضحة: الحفاظ على الشريان الإنساني يتطلب وعياً بقدر الغضب، وحسابات دقيقة بقدر المشاعر الجيّاشة. فالاحتلال الذي نواجهه لا يتورع عن تحويل لحظة انفعال فردي إلى مشروع حصار طويل المدى.
