عروبة الإخباري –
برز الأردن خلال الأسابيع الماضية كأحد أهم الممرات الإنسانية لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة الذي يعيش أوضاعاً إنسانية مأساوية نتيجة الحصار والدمار المستمر. فقد تحولت المملكة إلى بوابة رئيسية للمساعدات التي تتدفق من دول شقيقة وصديقة، لتصل إلى مستحقيها عبر جهود مشتركة تقودها الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية بالتعاون الوثيق مع سلاح الجو الملكي الأردني، وبدعم من شركاء عرب وأوروبيين.
منذ تأسيسها، لعبت الهيئة الخيرية الهاشمية دوراً محورياً في إدارة الأزمات الإنسانية، وقدمت نموذجاً متقدماً في العمل الخيري المنظم. وفي الأزمة الراهنة، كثفت الهيئة عملياتها بشكل غير مسبوق، فاستقبلت قوافل الإغاثة القادمة من عدة دول، وعملت على تجهيزها وإعادة توجيهها براً وجواً إلى غزة. وفي الوقت الذي تعيق فيه الظروف الميدانية دخول القوافل بشكل مباشر، لجأت الهيئة إلى خيار الإنزالات الجوية بالتنسيق مع سلاح الجو الملكي، لتصل المساعدات إلى قلب القطاع رغم المخاطر والتحديات.
الطيارون الأردنيون، بخبرتهم الطويلة واحترافيتهم العالية، نفذوا سلسلة من الإنزالات الجوية الدقيقة، أسقطوا خلالها طروداً غذائية وطبية للأسر المحاصرة. وقد شكلت هذه المشاهد بارقة أمل لآلاف العائلات التي وجدت في المساعدات المسقطة من السماء وسيلة للنجاة في ظل ندرة الغذاء والدواء. هذه الجهود الإنسانية لم تقتصر على الأردن وحده، بل شملت شراكات مع دول شقيقة وصديقة، أبرزها دولة الإمارات العربية المتحدة التي كان حضورها قوياً ومؤثراً في هذا المشهد.
فالإمارات كثفت من إرسال المساعدات الغذائية والطبية إلى غزة، وبالتنسيق مع الأردن تم تجهيز قوافل كبيرة دخلت عبر معبر الكرامة ثم إلى القطاع. كما شاركت الطائرات الإماراتية بشكل فاعل في الإنزالات الجوية المشتركة مع سلاح الجو الملكي الأردني، حيث نُفذت عدة عمليات أسهمت في مضاعفة حجم المساعدات ووصولها إلى مناطق معزولة يصعب بلوغها عبر الطرق البرية. هذا التعاون الأردني–الإماراتي لم يكن مجرد تنسيق لوجستي، بل جسّد وحدة الموقف الإنساني العربي، ورسالة واضحة بأن التضامن الفعلي يظهر في الميدان، لا في الخطابات فقط.
إلى جانب الشراكة العربية، برز البعد الدولي من خلال مشاركة دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا في عمليات الإنزال الجوي. فقد أرسلت باريس وبرلين طائرات عسكرية محملة بالمواد الإغاثية، شاركت إلى جانب الطائرات الأردنية في تنفيذ إنزالات داخل غزة. هذه المشاركة الأوروبية عكست وعياً دولياً بضرورة دعم الجهود الإنسانية، وإقراراً بالدور المحوري الذي يلعبه الأردن كمعبر أساسي للمساعدات. كما أبرزت أن البعد الإنساني يمكن أن يوحد دولاً ذات مواقف سياسية مختلفة تحت مظلة واحدة هي حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم.
ومع استمرار إغلاق معظم المعابر وتقييد حركة القوافل، ازداد اعتماد المنظمات الدولية والإقليمية على الأردن كمحطة رئيسية لإيصال الإغاثة. فالمملكة لم توفر فقط الأرضية اللوجستية والبنية التحتية اللازمة لتخزين وتجهيز المساعدات، بل قدمت أيضاً دعماً ميدانياً عبر مؤسساتها العسكرية والإنسانية. ويعود هذا الدور إلى توجيهات جلالة الملك عبد الله الثاني الذي أكد في أكثر من مناسبة أن الوقوف إلى جانب الفلسطينيين واجب وطني وأخوي وإنساني لا يمكن التراجع عنه.
الهيئة الخيرية الهاشمية، بدورها، عملت كحلقة وصل بين مختلف الجهات المانحة، فاستقبلت الدعم من دول عربية وغربية، وأشرفت على توزيعه بطريقة منظمة تضمن وصوله إلى مستحقيه. وبالتعاون مع القوات المسلحة الأردنية، جرى التخطيط لعمليات دقيقة سواء على مستوى القوافل أو الإنزالات الجوية، ما جعل الأردن يكسب ثقة المجتمع الدولي كمنصة موثوقة في مجال الإغاثة.
وتشير التقارير الإنسانية إلى أن آلاف الطرود الغذائية والطبية وصلت إلى غزة عبر هذه الجهود المشتركة، ما ساعد في التخفيف من وطأة الأزمة ولو جزئياً. إلا أن الحاجة تبقى أكبر بكثير من حجم المساعدات، وهو ما يدفع الأردن إلى مواصلة دعواته للمجتمع الدولي بزيادة الدعم وضمان وصوله بشكل آمن وسريع.
اليوم، لا ينظر إلى الأردن بوصفه مجرد بلد مجاور لفلسطين، بل باعتباره شريان حياة أساسي للأشقاء في غزة. ومن خلال مزيج من الجهد الرسمي والشعبي، وبالتعاون مع دول شقيقة كالإمارات، وأخرى صديقة مثل فرنسا وألمانيا، يقدم الأردن نموذجاً فريداً للتضامن الإنساني. فبينما تعجز السياسة عن حل الأزمات، يبقى العمل الإغاثي العابر للحدود هو الطريق الأصدق للتعبير عن القيم الإنسانية المشتركة.
إن المشهد الإنساني في غزة يثبت أن التكامل بين الجهد الوطني الأردني والدعم العربي والدولي قادر على إحداث فرق حقيقي. فالإنزالات الجوية التي تنفذ بشكل دوري، والقوافل التي تعبر الحدود، ليست مجرد مساعدات مادية، بل هي رسائل أمل وعنوان لتضامن لا يعرف حدوداً. وبذلك يكتب الأردن، بشراكاته الإقليمية والدولية، فصلاً جديداً في سجل العمل الإنساني، يؤكد أن رسالته تتجاوز السياسة إلى أفق أوسع قوامه الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية تجاه الشعوب المكلومة.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
