مجدي دعيبس
خلال قراءتي لـ»وادي الفراشات» خطرت على بالي أفكار كثيرة كنواة لمادة أكتبها حول هذه الرواية – قبل أن أصل إلى موضوعة السيميائيّة- مثل توظيف الكوميديا السوداء في وادي الفراشات، أو الطاقة اللغوية بشقيها الإيحائي والتقريري كعنصر حكائي، أو حضور المشهديّة السورياليّة في سرديات الحروب، أو الحصار.. حكاية الوجع والحنين وغيرها من العناوين الممكنة، غير أنني وجدت في هذا العنوان مدخلًا مختلفًا لمقاربة يمكن أن تضيء جوانبًا مهمة في الرواية. ولكن هذا لا يعني أنّنا لن نمر على الكوميديا السوداء أو طرافة اللغة وقهر الحروب خلال عرض وجهة نظر المقالة.
ولعلنا نبدأ من حكاية وادي الفراشات التي جاء عنوانها كناية عن مقبرة للرضّع مجهولي النسب والأطفال الذين قضوا خلال سنوات الحصار بسبب نقص الأدوية، ويدور السرد حول شخصيّة عزيز عوّاد الذي يرافقه نحس غريب أينما حل وأينما يمّم وجهه، يتزوج من زميلته في الجامعة؛ تمارا الفتاة القادمة من طبقة اجتماعية مختلفة، وهنا يتحوّل نحسه إلى كابوس مقيم لا ينتهي. تتوالى الأحداث وتتوزع الحكاية على صبيح الأخ اللئيم والأناني، وجبران الخال المثقف، ومهند الصديق الذي تنقلب أحواله من نقيض إلى نقيض.
عزيز عوّاد بملامح وجهه وخفّة دمه وحبه للحياة والفرح والشمس وصبره وقدرته على التحمل يمثّل نموذجًا من انعكاسات الحصار على العراق. إذا تمعنّا في الاسم الأول والثاني نجد أن المفارقة قد طالت الأسماء وليس الأحداث وحسب، إذْ بدا عزيز في مواقف كثيرة مغلوبًا على أمره مستسلمًا نتيجة للظروف التي يكابد في مواجهتها، وهذا تمامًا عكس اسمه المشتق من العزّة والمنعة. كما نرى في كلمة (عوّاد) ملمح من ملامح الخصوصيّة العراقية التي يظهر فيها أسماء على هذه الشاكلة مثل كرّار وجبّار وقهّار. لا تعكس هذه الشدّة قوة اللفظة فحسب بل تتجاوزها إلى نواح نفسيّة وبنيويّة على مستوى الشخصية الجمعيّة. عوّاد صيغة مبالغة من عاد، ويعني من أكثر العودة، وربما المقصود هنا سرعة الرجوع إلى الحروب والأزمات.
جبران الخال الذي يجبر عثرات ابن أخته ويُخرجه من المطبّات التي يقع فيها، جاءت شخصيته متوازنة بطاقة إيجابية هائلة لتعادل النحس أو الطاقة السلبيّة التي تلاحق عزيز كظلّه، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ مصدر هذا الإحباط أو سوء الطالع ليس شخص عزيز عوّاد نفسه وإنما الظروف التي مرّ بها العراق خلال سنوات الحصار فتعثّرت أحوال الناس وتباطأ الاقتصاد وضاق الأفق وندرت الفرص. جبران صاحب المكتبة التي تحمل في رمزيتها بعدًا تنويرًا يدل عزيز على درب المعرفة وقراءة الروايات وهذا يشير إلى أن الناس ولو ضاقت سبل عيشهم يبقى شغف الثقافة حاضرًا لديهم.
وعند البحث في اسم تمارا نجد معانيًا لها صلة بالنخلة أو اليابس من ثمر النخل. وهنا نتساءل: كيف لنا أن نكتب رواية عن العراق دون أن يرد النخل في معرض السرد؟ هذا يشبه الاستحمام دون ماء. تمارا التي تحمّلت عزيز بنحسه وفقره وقلة حيلته، تمارا الجميلة التي عاندت أهلها وتبعت قلبها ظلت وفية لزوجها وحياتها معه حتى ضاع سامر ولم يعد هناك متسع لضياع آخر، فحصل الفراق. تمارا الحبيبة والزوجة ومصدر البهجة والحب والبهاء، تمارا هي نخلة العراق التي تمده بالحلاوة والسمو والكبرياء، لكن الحصار طويل ولئيم ومرهق، ومن العسير أن تنجو منه، أصعب ما تجده الأم شكوى طفلها وأصعب ما يجده الأب قلّة الحيلة، تكاثرت الجراح وضاقت الصدور واشتدّ الحزن وتطاول الألم. وعن اسم الابن الذي ضاع (سامر) فقد جاء في معجم المعاني: سمر الشخص، أي تحدث مع جليسه ليلًا، وهذا ما يُستدلّ به على راحة البال، لكن حتى هذا تبخّر في طرفة عين وترك ضياع الابن حسرة في قلب أمه وأبيه الذي ظل يبحث عنه حتى وصل إلى وادي الفراشات.
أما صبيح شقيق عزيز الذي أكل حق أخيه بالميراث فجاء اسمه صفة مشبَّهة على وزن فعيل وتعني مُشْرِقٌ جميلٌ، وضيء الوجه، وهنا نعود إلى التهكم والسخرية السوداء كأسلوب للتعبير لأنّ شخصيته كانت عكس ذلك تمامًا؛ فهو الغليظ الجاحد الطمّاع. وفي الطرح الأخير نتوجه إلى مهند الصديق الذي دخل معترك الحياة جنبًا إلى جنب مع عزيز، وتقلّب على أعمال كثيرة منها بيع الأفلام الإباحية قبل أن يهتدي إلى مهنة التّديّن، انقلبت حاله وظهرت عليه النعمة ورغد العيش بعد أن عانى طويلًا من الفقر والعوز. والمهند في اللغة هو السيف المصنوع من حديد بلاد الهند، وأصل الكلمة هَنَّدَ، وهنّد العامل قصّر في عمله.
والسؤال هنا: هل كان اختيار هذه الأسماء دون غيرها عملًا قصديًّا بامتياز، أم مجرد اختيار من البيئة العامة بلا دلالة محددة؟ في الحقيقة هذا سؤال فائض عن الحاجة وهامشي والإجابة عليه لا تقدّم ولا تؤخر، فالنص قد وصلنا نحن القرّاء ولنا أن نرى فيه ما قصده الكاتب وما لم يقصده. ومن جهة أخرى فإنّ بعض كتابتنا تأتي من العقل الباطن أو اللاوعي على الرغم من كون الرواية عملًا واعيًا بمكانه وزمانه وماضيه وحاضره ومستقبله، فالترسبات الثقافية والفكرية التي تراكمت عبر السنين لا بدّ أنْ تظهر في حوار هنا أو موقف هناك. العمل الجيد هو الذي يحتمل وجهات نظر متعددة وربما متباينة، والعمل الذي يتفق الجميع على مراميه ومغازيه على الأغلب سيسقط من الذاكرة المكتظّة كما يسقط الثمر الناضج عن أمه التي لديها عشرات وربما مئات الثمار التي تشبه بعضها بعضًا.
ولا يفوتني في نهاية هذه المقاربة السريعة الإشارة إلى طرافة اللغة التي جاءت في حلّة مناسبة لهذه الروح التهكّميّة سواء في الحوار الذي طُعّم بمفردات من اللهجة المحليّة، أو على مستوى الجملة التي ابتعدت عن الشائع والمستهلك وحُبكت على نار هادئة. وادي الفراشات الرواية الثالثة في رصيد أزهر جرجيس وهي إصدار مشترك بين مسكلياني والرافدين للعام 2024، وقد وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في نسختها الأخيرة، كما وصلت روايته الأولى (النوم في حقل الكرز) إلى القائمة الطويلة، وروايته الثانية (حجر السعادة) إلى القائمة القصيرة للجائزة في دورات سابقة.
سيميائية الأسماء في رواية وادي الفراشات لأزهر جرجيس
7
