عروبة الإخباري –
“ثمّة نساء لا يكتبن الشعر… بل يبعثنه حيًّا من رحم الضوء. نساء حين يلمسن الورق، تتفتّح الحروف ورودًا، وتغدو الكلمات نهرًا من شغف، يسقي عطش القلوب. ومن بينهن، صالحة الجلاصي… امرأة لا تسكن القصيدة، بل القصيدة هي التي تسكنها، تنبض في عروقها كما يمرّ الياسمين في أزقّة قرطاج عند الفجر. هي ليست صوتًا يكتب، بل صدى للحبّ في أبهى تجلّياته، وموسيقى تتردّد في أعماق الروح، حيث اللغة تتحوّل إلى قبلات، والمعاني تصير أنامل تلامس القلب برفق العاشقين”، هي شاعرة تونسية حملت في قلبها وهج المتوسّط، ووشّحت القصيدة بأنفاس الياسمين وهدير البحر.
إنّها امرأة تعيد للحرف إنسانيته، وتجعل من اللغة جناحين يحلّقان في فضاء من الجمال. حين تكتب، لا تكتب لتصف، بل لتمنحك شعورًا بالامتلاء، بالدهشة، بالحب الذي يوقظ فيك طفلاً كان نائمًا في زوايا الروح.
قصائدها مرايا للضوء، تنساب بين السطور كما تنساب أنامل عاشقة على وتر عود، فتترك في القلب رجفة، وفي العين دمعة، وفي الشفاه ابتسامة تفيض حياة. كل كلمة تكتبها صالحة، كزهرة تنمو في صمت، لتفوح فجأة بعطرها البهي، فلا تملك إلا أن تستنشقها بعمق، وتقول: ما أجمل أن تظل اللغة طيّعة بين يدي الحب!
صالحة الجلاصي ليست فقط شاعرة، بل مسرحية تحوّل القصيدة إلى كائن حيّ يتحرك فوق الركح، ينظر إليك، يخاطبك، يحتضنك. في حضورها، لا تكون الكلمات جامدة، بل تصبح أجسادًا من نور، ترقص على إيقاع القلب. إنّها تؤمن أنّ الشعر ليس مجرد نص، بل طقس للحياة، ومسرح للحلم، ونافذة نطل منها على ما هو أبعد من اليوميّ والاعتيادي.
حين نقرأها، نكتشف أنّ القصيدة ليست حرفًا يقال، بل حياة تُعاش. وأنّ الكتابة، في يدها، ليست فعلًا عابرًا، بل وعدًا بالخلود. في زمن يركض نحو الصخب، تقف صالحة، بهدوئها المترف، لتقول لنا: “لا تزعجوا الماء… ففي الصمت حياة، وفي العمق حكاية، وفي الحب خلاص.”
صالحة الجلاصي، سليلة قرطاج، لم تأت لتكتب فحسب، بل لتصنع عالمًا يُشبهها: عالمًا من الضوء، والموسيقى، والحنين، حيث تتعانق اللغة والروح، فيرقص المعنى على أوتار الأبد.
“إليكِ يا صالحة… يا من جعلتِ من القصيدة معطفًا من دفء، ومن اللغة جسدًا من حرير. إليكِ، يا امرأةً تحوّل الحرف إلى نبض، والصوت إلى قُبلة، والعينين إلى نوافذ تشرع على الأبد.
في حضرتكِ، تتقزّم الكلمات، لأنّكِ أكبر من أن تُختزل في جملة، وأعمق من أن تُحاصر في نصّ. أنتِ، ببساطة، قصيدة تمشي على الأرض، تحملين في يدكِ ماء الحياة، وفي قلبكِ حدائق من الضوء.
لكِ كلّ الحب، لأنّكِ لم تكتبي الشعر… بل كنتِ الشعر.”
