قررت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري (البرلمان) إرجاء العملية الانتخابية في محافظات السويداء والحسكة والرقة، بسبب التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها هذه المناطق.
ويأتي هذا القرار في ظل ظروف استثنائية، حيث تسلط الأضواء على حالة عدم الاستقرار في هذه المحافظات، وتعكس تعقيدات المشهد السوري الذي لا يزال يشهد انقسامات حادة على المستويات الأمنية والسياسية.
وقال نوار نجمة، المتحدث الإعلامي باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا نشره اليوم السبت إن قرار الإرجاء جاء حرصا من اللجنة على تحقيق تمثيل عادل في مجلس الشعب للمحافظات الثلاث، مؤكدا أن المخصصات من المقاعد ستبقى محفوظة إلى حين إجراء الانتخابات.
وأضاف نجمة أن اللجنة اتخذت هذا القرار لحين توفر الظروف المناسبة والبيئة الآمنة التي تضمن إجراء العملية الانتخابية بشكل سليم.
وتشهد محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، حالة من عدم الاستقرار الأمني منذ منتصف يوليو، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين مسلحين دروز ومقاتلين بدو، سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ومسلحين من العشائر.
وأسفرت أعمال العنف عن مقتل أكثر من 1600 شخص، بينهم عدد كبير من المدنيين الدروز، وفق آخر حصيلة وثقها المرصد السوري لحقوق الانسان. وتخللتها انتهاكات وعمليات إعدام ميدانية طالت الأقلية الدرزية.
وشنّت اسرائيل خلال أعمال العنف ضربات قرب القصر الرئاسي وعلى مقر هيئة الأركان العامة في دمشق، تحت ذريعة حماية الأقلية الدرزية.
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد أسبوع من المواجهات الدامية، توسطت فيه الولايات المتحدة، لكن الوضع في المحافظة لا يزال سيئا، كما أن دخول المساعدات ومواد الإغاثة يجري ببطء بعد إغلاق الطريق الرابط بين السويداء ودمشق والانتهاكات التي تجري عبر ممر “بصرى الشام.”
أما الرقة والحسكة فتسيطر عليهما قوات سوريا الديمقراطية التي تعطلت مفاوضاتها مع الحكومة بشأن تنفيذ اتفاق ثنائي وقعه الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في 10 مارس برعاية أميركية بسبب خلافات بين الطرفين، حيث تصر قوات سوريا الديمقراطية أن يكون الاندماج ككتلة عسكرية واحدة داخل وزارة الدفاع، فيما تتمسك دمشق ومن خلفها أنقرة بأن يكون الاندماج فرادى.
ويرجع هذا التعطيل إلى خلافات جوهرية بين الطرفين، حيث تصر “قسد” على الاندماج ككتلة عسكرية موحدة داخل وزارة الدفاع، في حين تتمسك دمشق ومن خلفها أنقرة بأن يكون الاندماج فرادى. هذا الانقسام السياسي والعسكري يشكل عقبة أمام أي عملية انتخابية في المناطق التي تسيطر عليها “قسد”.
وجاء قرار إرجاء الانتخابات في هذه المحافظات بعد أن أصدر الرئيس الشرع مرسوما يقضي بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب السوري.
وفي إشارة إلى المضي قدما في التحضيرات الانتخابية في المناطق المستقرة، أعلن رئيس اللجنة العليا للانتخابات، محمد الأحمد، عن تقسيم الدوائر الانتخابية في البلاد إلى 62 دائرة ستجري فيها عملية الترشح والانتخاب.
وأوضح أن اللجنة تباشر باستقبال مقترحات الهيئات الناخبة، في الدوائر التي تم تقسيمها حتى الوصول لعملية الانتخاب والفرز وإصدار النتائج”.
وكان الأحمد قد أعلن الشهر الماضي أن من المتوقع إجراء انتخابات مجلس الشعب خلال الفترة بين 15 و20 سبتمبر المقبل.
وتضمن المرسوم الرئاسي الخاص بالنظام الانتخابي المؤقت شروطا جديدة أثارت جدلا واسعا، إذ يمنع الوزراء والمحافظين السابقين من الترشح، ويحظر ترشح “دعاة التقسيم والانفصال والاستقواء بالخارج”.
وهذه الشروط تُعد إشارة واضحة إلى الدروز، الذين تظاهروا مؤخرا مطالبين بتقرير المصير ورفعوا أعلام إسرائيل، وإلى قوات سوريا الديمقراطية، التي عقدت مؤتمرا في الحسكة شمالي شرقي البلاد يطالب باعتماد دستور ديمقراطي يضمن لامركزية الحكم والمشاركة الفعلية لجميع المكونات، مما أثار غضب دمشق ودفعها لإلغاء اجتماعات كان من المقرر عقدها في باريس
ويرى البعض أن هذه الشروط تهدف إلى منع عودة رموز النظام السابق أو من يعتبرون تهديدا لوحدة البلاد، في محاولة لإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة، بينما يرى آخرون أنها قد تكون أداة لإقصاء أصوات معارضة معتدلة أو فئات معينة من المجتمع، مما قد يحد من التمثيل الحقيقي لمختلف شرائح الشعب السوري.
ويحدد المرسوم عدد أعضاء مجلس الشعب بـ 210 أعضاء، ينتخب ثلثاهم وفق أحكام المرسوم، مع توزيع المقاعد على المحافظات حسب التوزع السكاني. وهذا التوزيع يضمن تمثيلا نسبيا لكل منطقة، لكن إرجاء الانتخابات في ثلاث محافظات رئيسية يترك فراغا تمثيليا، ويطرح تساؤلات حول مدى جدية العملية الانتخابية في ظل الأوضاع الراهنة.
وتكشف الأحداث الأخيرة في السويداء، وتدخل إسرائيل بذريعة حماية الأقلية الدرزية، والخلافات المستمرة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، عن مدى تعقيد المشهد السوري. فالصراع لم يعد مجرد مواجهة بين الحكومة والمعارضة، بل تحول إلى شبكة معقدة تتداخل فيها الأجندات الإقليمية والدولية، مما يجعل تحقيق الاستقرار السياسي مهمة شبه مستحيلة.
ويظل مصير هذه المحافظات، ومستقبل العملية السياسية في سوريا، مرهونا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على تجاوز خلافاتها والتوصل إلى حلول سياسية شاملة، تضمن تمثيلا حقيقيا لكل السوريين.
