البناء أولاً والأردن دائماً..
الشعار أعلاه تسمية اقترنت ببرنامج الخدمة العسكرية الإلزامية لعامين. «خدمة العلم» ركنان لروح وطنية وثّابة تقوم أولا على صخرة الخدمة، صنو المحبة وجوهرها وثمرها. وثانيا، على ما يمثله العلم بكل أسمائه العربية الثرية، لواء وراية، من رموز راسخة في الضمائر والعقول، لارتباط العلم بالوطن والأسرة والقيم الروحية والوطنية، والمثل الأخلاقية الرفيعة التي يجود الأحرار في بذل الغالي والنفيس حفظا لها، وفداء لها إن استدعى الأمر. لولا قداسة العلم في عيون الناس كافة، لما تدثّرَت به أجساد الأبطال مُوَدَّعين بترانيم «لحن الرجوع الأخير» وطلقات الرماة الفرسان من حول نعوش من سبقونا إلى نعيم مقيم في عليين، بإذن الله.
تعلمنا في مدرسة الهواشم أن «الإنسان أغلى ما نملك» وأن إعداده للخدمة ورفع العلم «عاليا خافقا أمجدا» يتطلب البناء أولا وآخرا، وخدمة الأردن أولا ودائما. أوصانا سيدنا الحسين طيب الله ثراه وكتب مقامه في عليين: «فلنبن هذا البلد ولنخدم هذه الأمة». لا تتحقق خدمة الأمة كما نصبو إليه وإليها إلا ببناء الأردن كما يحب الله ويرضى. خدمة خالصة مثابرة ناجحة لا تعرف الفتور ولا اليأس أبدا، تسر الناظرين وتغيظ العدا أو أملنا بالله كبير، تهديهم أو تردعهم عن الاقتراب منا، من حُرُماتنا وحدودنا المصانة بالنور والنار..
إعدادا واستعدادا لحوار مع صديق جار من زملاء المهنة، حرصت الأسبوع الماضي على متابعة اللقاءات التي أجرتها شاشاتنا الوطنية حول قرار الأردن استئناف «خدمة العلم» جزئيا كبرنامج وطني شامل، يستلهم إنجازاتنا الوطنية الناجحة في هذا المضمار، ويستنهض همم أبناء اليوم -خاصة شبابنا- لاستشراف المستقبل، غدا واعدا بإذن الله. من أروع ما قيل توكيد الروح والهوية الوطنية في هذا البرنامج الوطني المبارك بعون الله.
العلَم ليس راية في معركة صنع السلام وكسب الحرب إن فرضت كملاذ أخير أو «آخر العلاج الكي». العلَم أيضا لواء نرفعه بحبور في ميادين مدنية عدة، من أهمها تلك التي تلبي للناس حاجاتهم وتحقق رغباتهم وحتى أحلامهم، ما استطاع صانع القرار إلى ذلك سبيلا!
والخدمة أيضا، معانيها سامية أكبر من المنفعة أو المصلحة. ولا ضير من تعريف المعروف لمن لا تصله الرسالة بشكل واضح. لا بأس من إفهام من لا يدرك قيم الخدمة السامية بأن فيها تحقيق مصلحته الشخصية ومنفعته الأسرية والعشائرية والمناطقية وإلى آخره من الدوائر السياسية أو الاجتماعية التي يرى الفرد فيها نفسه مركزا، أو سائرا في فلك مع مجموعته أو «جماعته»!
لإنجاح أي مهمة حتى وإن كانت رياضية، لا بد من الرغبة في الانضمام إلى الفريق، ومن ثم الانتماء إلى مهمته الأساسية، وهي تحقيق الأهداف دون الالتفات إن كانت فردية أم جماعية. روح الفريق مهمة دائما، لكن الأهم على الدوام وعبر التاريخ هي القيادة. من هنا تفرض الحاجة بعد التعامل مع مفهومي الخدمة والعلم، العمل على تعريف وتوضيح معاني كروح الفريق واحترام القيادة وإطاعتها، طاعة تامة. في بعض المهام الحساسة والأوقات الحرجة حتى مقولة «نفِّذْ ثم اعترض» لا تجوز.. الروح المعنوية العامة ووحدة الصف مسألة لا مجال للتراخي فيها، في عالم ابتُلي بالسقوط الروحي والأخلاقي، في ظل استهداف مركز ومبرمج ومنسق، لمقدسات معظم البشر وهي الإيمان الروحي والأسرة والوطن.
صحيح أن الخدمة العسكرية تقوم على التمارين الرياضية والعسكرية في معظم البرامج ذات الصلة في العالم، لكن الجانب الروحي الأخلاقي، والنفسي السلوكي، لا يقل أهمية عن البعد الرياضي العسكري.
من الآخر، ما نحن بانتظاره بفارغ الصبر العام المقبل، هي نهضة شبابية وانطلاقة مجتمعية ترعاها قواتنا المسلحة الباسلة. «الجيش مصنع الأسود» كما في هشتاغ أردني انتشر عند مواجهة الإرهاب، إرهاب التنظيمات المعادية، وإرهاب المخدرات العابرة للحدود. الجيش مدرسة، إن أحسن الإعلام الخاص قبل العام، و»النيو ميديا» والمسموْن «المؤثرون» عبر منصات «التواصل الاجتماعي»، إن أحسنوا فهم الخدمة والعلم، كانوا قادرين على تعميم الروح الوطنية الأردنية والانضباط العسكري الأردني، و»الضبط والربط» في كل ما يصدر عنا كأردنيين في الوطن والمهجر، فنُعلي معا من صورة أردننا المفدى ومملكتنا الحبيبة، كنموذج ريادي للإنسان الواعي الذي يبني وطنه ويخدم أمته.
وإن كان من رجاء وأمل، فألا تقتصر الثقافة والتربية العسكرية على أولئك الشباب المحظوظين أو على ثلاثة أشهر فقط، بل يعمّم الخير على الجميع عبر محتوى إعلامي مدروس يتسم بالذكاء السياسي والإعلامي الشديد -الخالي من المطبات القانونية أو أي أمور إشكالية مع أي طرف كان- حتى نمضي معا نحو برامج وطنية أخرى لا تقل أهمية تتعلق مثلا برفع الإنتاجية ومحاربة الاتكالية والتسويف ولوم الآخر، قبل أن نحصر الحديث عن أسطوانات باتت مشروخة، لا لقلة أهمية مضمونها، بل بالإصرار على اجترار ما فيها من التفاف على مواجهة أصل العلل، بدلا من التناحر على تعليلها، أيهما أفحم الآخر؟!
«خدمة العلم»* بشار جرار
6
المقالة السابقة
