عروبة الإخباري – كتبت الإعلامية عبير العربي –
على مدار التاريخ الحديث، مثّلت العلاقات المصرية – الأردنية نموذجًا متماسكًا في التنسيق العربي، ليس فقط على المستوى الثنائي بين البلدين، بل أيضًا في مقاربة الملفات الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي شكلت محورًا رئيسيًا للتقارب والتعاون بين القاهرة وعمان.
جذور تاريخية ومواقف ثابتة
منذ النكبة عام 1948 وما تلاها من تطورات كبرى في المنطقة، وجدت مصر والأردن نفسيهما في قلب الصراع العربي – الإسرائيلي، بحكم الجوار المباشر لفلسطين من جهة، وبحكم الدور القيادي الذي يضطلع به كل من القاهرة وعمان في المنظومة العربية من جهة أخرى.
ففي حرب 1948، ثم حرب 1967، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973، كانت الدولتان طرفين أساسيين في المواجهة مع الاحتلال، وتحملت كل منهما خسائر جسيمة دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية والعربية.
هذا التاريخ المشترك أسّس لعلاقة خاصة بين البلدين، تقوم على إدراك عميق بأن استقرار أي منهما مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير القضية الفلسطينية، وأن أي اختلال في التوازن داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ينعكس مباشرة على أمن مصر والأردن معًا.
تنسيق سياسي دائم
اليوم، ومع تعقّد المشهد الفلسطيني – الإسرائيلي واشتداد الأزمات في غزة والضفة الغربية، تتجدد صورة هذا التنسيق الاستراتيجي. فقد أكد وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبدالعاطي، في تصريحاته الأخيرة، أن هناك تطابقًا كاملًا في الموقفين المصري والأردني تجاه القضية الفلسطينية، وأن التنسيق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبدالله الثاني بلغ مستوى يجعل كلاً من البلدين يتحدث باسم الآخر في المحافل الدولية.
هذا النوع من التنسيق يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، ليعكس شراكة استراتيجية حقيقية مبنية على مصالح مشتركة، أهمها:
رفض مخططات التهجير القسري للفلسطينيين باعتباره “خطًا أحمر” لا يمكن تجاوزه.
مواجهة الروايات المغلوطة في الغرب حول طبيعة ما يجري في غزة والضفة الغربية.
السعي إلى حشد دعم سياسي وإنساني شامل للقضية الفلسطينية، بما يحافظ على مركزيتها في الأجندة الدولية.
أبعاد إنسانية واستراتيجية
إلى جانب البعد السياسي، تدرك مصر والأردن أن استمرار الأوضاع المتفجرة في الأراضي الفلسطينية يحمل مخاطر مباشرة على أمنهما الداخلي.
الأردن يستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين منذ عقود، وأي محاولة لفرض واقع جديد عبر التهجير تمثل تهديدًا وجوديًا لهويته الوطنية.
مصر، من جهتها، ترى أن أي تصعيد في غزة يضعها أمام مسؤوليات أمنية وإنسانية متزايدة في محيطها الحدودي.
من هنا، يأتي الاهتمام المشترك بعقد مؤتمر دولي للإغاثة وإعادة إعمار غزة، بالتنسيق مع شركاء عرب ودوليين، في محاولة لتحويل الزخم السياسي إلى خطوات عملية تُعيد الحياة للقطاع، وتمنع تفجر أزمات جديدة قد تؤثر على استقرار المنطقة برمتها.
رسائل إلى المجتمع الدولي
ما يميز الموقف المصري – الأردني أنه لا ينطلق من حسابات آنية أو تكتيكية، بل من رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالدولتان توجهان رسائل متكررة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الأمن الإقليمي والدولي لا يمكن أن يتحقق دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وأن تجاهل حقوق الفلسطينيين لن يؤدي إلا إلى مزيد من الصراعات وعدم الاستقرار.
ختاماً، إن استعراض مسار العلاقات المصرية – الأردنية يوضح بجلاء أن ما يجمع البلدين ليس فقط حدودًا جغرافية، بل تاريخ طويل من الشراكة والمصير المشترك. واليوم، مع تصاعد التحديات في غزة والضفة الغربية، يتجدد هذا التحالف ليؤكد أن القاهرة وعمان تقفان معًا في مواجهة أي محاولات لفرض حلول على حساب الشعب الفلسطيني، وليثبتا أن وحدة الموقف العربي قادرة على إحداث فارق في الساحة الدولية.
وبذلك، تبقى العلاقات المصرية – الأردنية نموذجًا حيًا للتحالف الاستراتيجي العربي، القائم على الثبات في المواقف، والمرونة في إدارة الأزمات، والوعي العميق بأن فلسطين هي البوصلة التي تحدد اتجاهات الاستقرار في المنطقة بأسرها.
