في صيف عام 1991، وبينما كان الجنوب اللبناني يستعيد أنفاسه بعد سنواتٍ ثقيلة من الحرب، خرجت من بين القلوب والبيوت شابة تحمل في ملامحها مزيج النخوة والبراءة، اسمها آمال فقيه. لم تكن تبحث عن الأضواء، بل كانت في موقع المذيعة التي تقدّم أول مباراة جمالية تُقام في الجنوب بعد زمن طويل من الغياب.
لكن القدر كان يُخبئ لها فصلًا جديدًا في حياتها، حين رآها رئيس لجنة التحكيم، جان شاهين، بعين الخبير الذي يلتقط النور قبل أن يسطع، فأقنعها أن تخوض المنافسة.
في تلك الليلة، لم يكن تتويج آمال حدثًا عابرًا. لقد كان ولادة رمز أنثوي من قلب الجنوب، رمز للجمال الطبيعي الذي لم تمسه بعد موضة التجميل، في زمن لم يكن فيه “السوشيال ميديا” نافذة تلمع لحظة وتخبو أخرى.
كان جمالها حقيقيًا، مثل رائحة الزهر في بساتين النبطية، ومثل صوت البحر على شواطئ صور. ضجّت الصحافة بالخبر، وتناقلته الألسنة بإعجاب، لأن الناس رأوا فيه علامة على أن الحياة تعود، وأن الأمل ما زال ممكنًا.
لكن آمال لم تكن ملكة جمال بالمعنى التقليدي، بل كانت أكبر من اللقب. لم تحصر نفسها في فساتين السهرة وعدسات الكاميرا، بل تخلّت عن الأضواء السطحية، وحملت على عاتقها رسالة الإعلام. أخذت الميكروفون وأطلقت صوتها في الأثير، صوتٌ مميّز يجمع بين الحنان والقوة، بين الدفء والوضوح، حتى صار علامة يعرفها المستمعون أينما كانوا.
سنوات مرت، ولا تزال آمال فقيه نجمة حقيقية، ليس بفعل الصور أو العناوين، بل بفعل الاستمرارية والإبداع. جمالها لم يبهت، بل اكتسب عمقًا مع الزمن، وصوتها لا يزال يصدح عبر منابر عدة من الإذاعات اللبنانية، وكأنها تحفر حضورها في ذاكرة المستمعين.

وفي إطلالة حديثة على شاشة تلفزيون لبنان، ضمن برنامج “أحلى صباح” مع الإعلامية اللامعة باتريسيا سماحة، أظهرت آمال أن التاج الذي ارتدته قبل أكثر من ثلاثة عقود لا يزال يلمع، لكن هذه المرة على هيئة كلمات صادقة، وذكريات ملهمة، وحضور يفيض بالثقة والرقي. لقد برهنت أن ملكة الجمال الحقيقية هي التي تظل ملكة، حتى بعدما ينحني الزمن على رأسها.
آمال فقيه… اسم يختصر حكاية الجنوب الجميل، المرأة التي أثبتت أن التاج يمكن أن يكون بداية طريق، لا نهايته، وأن البريق الأجمل هو بريق الروح والصوت والفكر.
