في ظل تصاعد الهجمات الإعلامية التي تستهدف الأردن، من جهات خارجية وأحيانًا داخلية، تبرز الحاجة إلى خطاب وطني متزن وقوي، لا يعتمد على ردود الأفعال المتوترة أو محاولات التبرير، بل على الوضوح والثقة والوعي. لم يعد مجديًا أن نغرق في تفسير مواقفنا لمن لا يريد أن يسمع، أو نقنع من قرر مسبقًا أن يتجاهل الحقائق.
الأردن ليس دولة طارئة على المشهد الإقليمي، ولا كيانًا يبحث عن دور، بل هو صاحب المواقف الثابتة، والقرارات السيادية، والدور المحوري في قضايا الأمة. تاريخه مشرف، ومواقفه مشهودة، وشعبه أثبت على الدوام أنه حائط الصد الأول في وجه كل من يحاول العبث بأمنه أو النيل من وحدته.
أولى خطوات مواجهة الهجمة الإعلامية تبدأ من الداخل. من المهم أن نخاطب المواطن الأردني بلغته، عبر شخصيات تحظى بالثقة والاحترام، لا من خلال وجوه مستهلكة أو غير مقبولة شعبياً. الداخل إذا تحصّن بالثقة والوعي، لن ينخدع بما يُبث من الخارج.
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثيرون هو التورط في التبرير. التبرير يُضعف الموقف، ويعطي الانطباع وكأننا في موقع الدفاع. في حين أن الأردن لم يكن يومًا في موقع المساومة أو التخلي. يجب أن يكون خطابنا واضحًا، يستند إلى الحقائق، ويتحدث بلغة الفعل لا الانفعال. روايتنا الوطنية هي الحقيقة، ولا تحتاج إلى تزيين أو تبرير، بل إلى عرض واثق وشفاف.
نحن في معركة وعي. والوعي لا يُبنى في نشرات الأخبار أو عبر بيانات النفي. بل يُبنى بمنظومة إعلامية وطنية شاملة، تتوجه للناس بالحقيقة، وتبني الثقة بينهم وبين مؤسسات الدولة. المعركة الحقيقية ليست في الرد على كل اتهام، بل في إفشال بيئة الشك، وتعزيز بيئة الفهم والانتماء.
من الضروري أيضًا وقف التغذية غير المباشرة للأجندات المعادية. بعض الأصوات التي تُصدَّر على أنها “معارضة” أو “مستقلة”، تستخدم في الخارج كسلاح ضد الدولة. الفارق كبير بين الرأي الوطني الحر، وبين خطاب التشكيك والتأليب. والحل لا يكون في الإسكات، بل في كشف النوايا، وتحصين الناس بالوعي، وإبراز الرواية المقابلة عبر منصات يثق بها المواطن.
الأردن لا يحتاج إلى شهادة من أحد، بل يحتاج إلى أبناء يؤمنون به، يدافعون عنه بالعقل والمنطق كما يدافعون عنه بالموقف والميدان. الثقة بالأردن ومؤسساته وتاريخه ومواقفه، هي الأساس في مواجهة أي حملة. وما دامت هذه الثقة متماسكة في الداخل، فلن تنال منا كل أبواق الخارج.
إن المعركة ليست على منبر إعلامي، بل في عقول الناس. وكلما ارتفع منسوب الوعي، تراجعت فاعلية التضليل. لهذا، يجب أن يكون خطابنا القادم مبنيًا على الفهم العميق، والإيمان بالوطن، والاستعداد للدفاع عنه بالحقيقة لا بالتبرير
الوعي حصن الأردن.. والتبرير باب الخصوم* الدكتور محمد أبو هديب
11
