عروبة الإخباري –
بينما يتصاعد الدخان من غزة وتئنّ المستشفيات تحت وقع المجازر، لا يزال البعض مصرًا على توجيه سهام التخوين إلى مصر والأردن، وكأنّ هذين البلدين هما من أطلق الطائرات وأغلق المعابر واحتل الأرض. في مشهد عبثي لا يخلو من النفاق والجهل، يُشنّ هجوم إعلامي ومنصاتي ممنهج، لا يوفّر فرصة إلا لتشويه كل موقف مسؤول يصدر عن القاهرة أو عمّان.
أين كان هؤلاء “الثوار الرقميون” حين كانت مصر تدير مفاوضات وقف إطلاق النار لساعات طوال بلا كلل؟ هل يعلمون أن الطواقم الطبية والمساعدات الإغاثية التي دخلت غزة في ذروة الحصار انطلقت من رفح، بتنسيق مصري كامل؟ هل يجهلون أن الأردن يرسل طائرات إغاثة ومساعدات طبية إلى القطاع بشكل مستمر، رغم أوضاعه الاقتصادية الداخلية؟
الهجوم الأرعن على مصر والأردن ليس جديدًا، لكنه بلغ من الوقاحة مؤخرًا حدّ وصف الوساطة بأنها “تواطؤ”، والمساعدات بأنها “استعراض”، وكأن الدولتين مطالبتان بخوض حرب شاملة ضد إسرائيل لإثبات حسن نواياهما! هذا المنطق الساذج، أو المتآمر إن أردنا الدقة، يتجاهل الواقع الجيوسياسي المعقد، ويختزل المواقف في شعارات سطحية تُكتب على جدران تويتر ولا وزن لها في معادلات الأرض.
إن القاهرة لا تملك رفاهية الخطابات الشعبوية. فهي الدولة التي تتعامل مع حدود ملتهبة، ونزوح محتمل يهدد أمنها القومي، وتوازنات دولية دقيقة في كل تحرك. وكذلك الأردن، المحاصر اقتصاديًا والمهدد ديمغرافيًا، لا يملك أن يصرخ في وجه العالم بينما يحاول الحفاظ على استقراره الداخلي ووصايته على القدس.
من السهل جدًا أن تتصدر التريندات وأنت جالس خلف شاشة هاتفك، تشتم هذا وتخوّن ذاك، لكن الأصعب أن تدير بلدًا يواجه نيران الحرب من جهة وضغوط العالم من جهة أخرى. مصر والأردن لا يزايدان، بل يتحركان في هامش ضيق بين واجب الدعم للشعب الفلسطيني، ومتطلبات الحفاظ على كياناتهما كدول مستقرة.
نعم، من حق الناس أن تسأل وتنتقد، لكن ما يحدث اليوم هو أبعد ما يكون عن النقد. إنها حملات منظمة للتشويه، تُدار بعناية من عواصم تحترف النفاق، وتدّعي المقاومة بالكلمات بينما تبني علاقاتها مع تل أبيب في الخفاء.
إن الدفاع عن غزة لا يعني الصراخ والتخوين، بل يعني الفعل الحقيقي – وما فعلته مصر والأردن يفوق بكثير ما قدمه “المنظّرون”. لذلك، فليرحمونا من شعاراتهم الجوفاء، وليتركونا نُكمل ما بدأناه: دعمًا حقيقيًا لغزة، لا للمتاجرة بها.
