عروبة الإخباري –
في فضاء الأدب العربي الموجّه للطفل، قلّما يلتقي القلم بالرسالة، والفكر بالإنسان، كما هو الحال في تجربة الكاتبة الكويتية أمل الرندي. فهي لا تكتب للأطفال فحسب، بل تعيش معهم، وتخاطبهم بالكلمة، وتحتضن خيالهم بنبرة صوتها، وتحاكي أحلامهم بلغة الجسد، ودفء الابتسامة، واتساع القلب.
كاتبة تكتب بروح الأم ووعي المثقفة
أمل الرندي هي ابنة المدرسة الإنسانية في الكتابة. قصصها ليست مجرد نصوص أدبية، بل هي أدوات لبناء الوعي، وغرس القيم، وإطلاق خيال الطفل نحو أفق أرحب. لقد استطاعت، على مدار سنوات من العطاء، أن تخلق لنفسها موقعًا رياديًا في أدب الطفل العربي، حيث حصدت جائزة الدولة التشجيعية في الكويت مرتين، ولفتت الأنظار إلى قدرتها على تحويل القضايا المعقدة إلى حكايات بسيطة، آسرة، ومؤثرة.
حضور حيّ يتجاوز المنصة
من يشاهد الرندي، في لقاءاتها الثقافية أو ورشاتها القرائية يدرك سريعًا أن حضورها لا يقل إلهامًا عن نصوصها. فهي تجيد لغة الجسد ببراعة عفوية؛ ترفع يديها حين تتحدث عن الحلم، وتفتح ذراعيها كأنها تضم العالم، وتلوّح بأطراف أصابعها كأنها ترسم أفكارها في الهواء. ابتسامتها دائمة، مشبعة بالحنان والثقة، وعيناها تحملان ضوءًا خاصًا حين تتحدث عن الأطفال.
وفي كل لقاء، تتكلم بالعربية الفصحى، نبرة صوتها ثابتة، أنيقة، واضحة، لا تتردد ولا تتكلف. تستخدم الكلمات كما يستخدم الرسام ألوانه: بدقّة، وبشغف، وبوعي داخلي بأن كل كلمة تنطق بها قد تبني في عقل طفلٍ فكرة، وفي قلبه قيمة.
صوتٌ ينمو في كل طفل
تقول الرندي في أحد لقاءاتها: “الطفل ليس مشروعًا للتربية فقط، بل مشروع للحياة”. من هنا تنطلق رؤيتها. فهي لا تكتب لتلقّن، بل لتُشرك الطفل في بناء وعيه، لتُخاطب عقله، وتُلامس قلبه، وتدعوه إلى التفكير، لا إلى الحفظ.
وتتنوع موضوعات قصصها بين البيئة، والانتماء، والتسامح، وحب الآخر، والثقة بالنفس. في كل نص، تزرع بذرة من نور، تُثمر مع الوقت شخصية أكثر اتزانًا، وطفلًا يعرف كيف يسأل، وكيف يحلم، وكيف يتعاطف مع الآخرين.
مبادرات تتخطّى حدود الجغرافيا
أسست الرندي “مبادرة أصدقاء المكتبة”، التي جابت العديد من العواصم العربية، من الكويت إلى تونس إلى الأردن، حاملةً معها حقيبة من القصص، وورشًا تفاعلية، وأحلامًا تقرأ. لم تنتظر أن يأتي القارئ، بل ذهبت إليه. وحين كانت تتحدث للأطفال في مكتبات المدارس أو المراكز الثقافية، كانت تقف أمامهم كأنها واحدة منهم؛ تُنصت كما تُحدّث، وتبتسم كما تكتب.
كما أطلقت حملات ثقافية نوعية، مثل “اقرأ وتذوق”، التي مزجت بين القراءة والحواس، مؤكدةً أن الكلمة يمكن أن تُحَب كما يُحب الطعام، وأن الأدب ليس فعلاً ذهنيًا فقط، بل تجربة حسية وروحية متكاملة.
خطاب تربوي بنبرة فنية
الرندي تمثّل جيلًا جديدًا من الكتّاب الذين يدركون أن أدب الطفل ليس هامشًا، بل أساس. أن الكلمة الأولى تُشكّل ملامح الإنسان القادم. ولذلك، تكتب بأسلوب نقي، بعيد عن الوعظ المباشر، غني بالصور والمواقف، محمّل بالإحساس، وجاذب للنقاش.
ومع كل إصدار جديد، تثبت أن أدب الطفل يمكن أن يكون مساحة للإبداع الحقيقي، لا مجرد وسيلة للترفيه. ولهذا تجد أن كتبها تُقرأ في المدارس، وتُناقش في النوادي، وتُحتفى بها في المحافل العربية.
الكاتبة التي تشبه قصصها
وفي عالم يسعى للسرعة والاختزال، تقف أمل الرندي بثبات الكلمة، ورحابة الرؤية، ودفء القلب. تشبه قصصها كثيرًا: صادقة، مشرقة، بسيطة في ظاهرها، عميقة في باطنها. كل حركة من يديها، كل التفاتة منها، كل ضحكة تُطلقها في وجه طفل، هي امتداد لنص كتبه قلبها قبل قلمها.
إنها ليست مجرد كاتبة، بل “صوت عربي نقيّ يُعيد للطفولة العربية بهجتها، وللقصة رسالتها، وللثقافة دورها في صناعة الحياة.”
