عروبة الإخباري –
في الرابع من آب 2020، لم ينفجر فقط مرفأ بيروت، بل انفجر قلب الوطن. صوت الانفجار دوّى، لكنه لم يكن أعلى من صمت الدولة.
2750 طنًا من نترات الأمونيوم خزِّنت لسبع سنوات في مرفأ بيروت، وسط العاصمة، تحت أنظار الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية. في دقيقة واحدة، تحوّلت بيروت إلى ركام. أكثر من 220 شهيدًا، آلاف الجرحى، ودمار طاول أحياء بكاملها.
لم تكن كارثة طبيعية، بل “جريمة بحجم وطن”.
ما حدث في المرفأ لم يكن عرضيًا، ولا ناتجًا عن خلل تقني. كان نتيجة مباشرة “لإهمال ممنهج، وفساد متجذّر، وصمت متواطئ”.
منذ اليوم الأول، ثبُت أن عدّة جهات كانت تعلم بوجود المواد شديدة الانفجار. تحذيرات متكرّرة رُفعت، تقارير وُضعت، ومسؤولون تجاهلوا الخطر عمداً.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، “لا أحد وراء القضبان”.
ولا متّهم وُجهت إليه تهمة بحجم ما جرى.
العدالة تُطارد، والقاضي يُحاصر، والشهود يُهدَّدون، والمجرمون محصّنون.
قضاء مُعطَّل وعدالة مخنوقة
تعرّض مسار التحقيق القضائي لتعطيل ممنهج. القاضي طارق البيطار، الذي استأنف التحقيقات في مطلع 2025 بعد توقف قسري، واجه ضغوطًا هائلة من سياسيين وأمنيين، واستدعاءاته رُفضت أو ووجهت بالتصعيد.
المنظومة الحاكمة تتعاطى مع الجريمة كأنها أزمة قابلة للتسوية، لا كمجزرة يجب أن يحاسَب عليها مسؤولون، مهما علت مناصبهم.
غضب لا يُطفأ
بيروت لا تزال تبكي أبناءها، لكن دموعها تحوّلت إلى غضب.
في كل ذكرى، تعود صور الشهداء إلى الساحات، تعود الأمهات إلى المرفأ، وتعود الأسئلة المحرّمة:
من كان يعلم؟
من سمح؟
من سكت؟
ومن قتل؟
لا العدالة تحقّقت، ولا الدولة تغيّرت، بل لا تزال العقلية نفسها تحكم: “الإفلات من العقاب، طمس الأدلة، وتقاسم المسؤولية حتى تضيع المسؤولية”.
ليس انفجارًا… بل وصمة
لا نرضى أن يُطلق على ما جرى “كارثة”.
الكارثة تبرّئ، أما ما حدث في 4 آب فهو جريمة موصوفة، ارتُكبت على مدى سنوات، بأدوات السلطة والتغاضي.
إنه انفجار دولة… لا فقط مرفأ.
لن ننسى. لن نغفر
مهما حاولوا دفن القضية خلف الملفات السياسية، ستظلّ بيروت شاهدة.
المدينة التي نزفت من قلبها، لن تتعافى قبل أن يُقال الحق ويُعلَن المجرم.
العدالة ليست خيارًا أخلاقيًا، بل “ضرورة وجودية”، إذا أراد هذا الوطن أن يعيش.
في الرابع من آب، لا نضيء شمعة فقط، بل نشهر الاتهام.
نحمّل المسؤولية.
نرفع الصوت.
ونقول:
“لن تمرّوا.”
