د. م. رضا بهنام* – (كاونتربنش)
صمود هي كلمة عربية تُجسّد القدرة على تحمّل المشقة والحفاظ على الحسّ بالهوية والهدف، على الرغم من التحديات التي يشكلها العيش تحت الاحتلال.
إن أمة تشوه، وتقتل، وتجوّع الرجال والنساء والأطفال، من غير المرجّح أن تبقى. كما أن قادة الأمم الذين ساعدوا -أو شاركوا في- هذه الفظائع سيواجهون على الأرجح المصير نفسه.
تقول “محكمة غزة”، التي تم إنشاؤها حديثًا لمواجهة تواطؤ العديد من الدول الغربية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل: “تمثّل غزة نقطة قطع في المسيرة التاريخية للإنسانية، عندما يسود نظام عالمي قائم على القوة، لا على العدالة”. وقد وصف ريتشارد فولك، رئيس المحكمة، غزة، في جلستها الأولى في سراييفو، بأنها “التحدي الأخلاقي لزمننا”.
إنهم أطفال غزة، مستقبل فلسطين، هم الذين يتحملون عبء فظائع إسرائيل. وتصف “منظمة الأمم المتحدة للطفولة” (يونيسف) غزة بأنها أخطر مكان في العالم على الأطفال. وفي معرض تعليقه على حرب إسرائيل على غزة، قال فيليب لازاريني، المفوض العام لـ”وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” (الأونروا)، فيليب لازاريني: “هذه حرب على الأطفال. إنها حرب على طفولتهم ومستقبلهم”.
ثلثا الفلسطينيين الذين قتلهم في غزة “الجيش الأخلاقي” -المعلن ذاتيًا كذلك- هم من النساء والأطفال. وواحد من كل عشرة أطفال في غزة يعاني من سوء التغذية بسبب الحصار المُحكم الذي تضربه إسرائيل على المساعدات الإنسانية. ويعاني أكثر من 40.000 طفل من إعاقات ناجمة عن الحرب نتيجة الهجمات: “أصبحت غزة الآن تضم أعلى نسبة من مبتوري الأطراف بين الأطفال وفق نسبة الأفراد مقارنة بأي مكان آخر في العالم”.
ويلاحظ طبيب نفسي للأطفال يعمل مع منظمة “أطباء بلا حدود في فلسطين” أنه “لا يوجد شيء اسمه (ما بعد) في اضطراب ما بعد الصدمة. إنها صدمة مستمرة؛ إنها صدمة مطوّلة؛ إنها حرب (إسرائيلية) تليها حرب أخرى”.
بينما يعتصرني الألم من المعاناة والصدمة التي تفوق الوصف والتي يختبرها أطفال غزة، لا تفارقني لازمة أغنية بيلي هوليداي الحزينة للعام 1941: “فليبارك الله الابن الذي لا ينتظر عون أحد”.
هذا النشيد المؤلم مصمم لكل أولئك الذين يعانون من الألم الجسدي والنفسي. يبدو الأمر كما لو أن كلمات الأغنية كُتبت خصيصًا من أجل الفلسطينيين.
تشجع القصيدة الاعتماد على قوة المرء وقدراته الذاتية حتى يتمكن من البقاء والنجاة من ظلم الحياة وقسوتها. وعلى الرغم من لهجتها الحزينة، فإنها تحمل رسالة قوية عن الإصرار على تقرير المصير والتحدي في وجه المحن. ومع مرور الوقت، أصبحت نشيدًا للاستقلال والاعتماد على النفس.
لقد عانت أجيال من الفلسطينيين من ظلم لا يُحصى، وأجبِر الفلسطينيون على النضال من أجل البقاء وحدهم. وكان الصمود، باعتباره قيمة أساسية في المجتمع الفلسطيني، هو نجمهم الهادي.
على مدى عقود، لجأت الأنظمة الإسرائيلية المدعومة أميركيًا إلى القسوة المنهجية والقوة الساحقة لقمع المقاومة الفلسطينية. ومع ذلك، جعلت هذه الوحشية الفلسطينيين أكثر قوة وابتكارًا في مواجهة القهر الصهيوني.
الآن، شرع نضال الفلسطينيين من أجل الحرية في توحيد العالم، وأصبح عابرًا للأجيال. أصبحت فلسطين تعني الحرية، خاصة بالنسبة للمحرومين والمهمشين.
على الرغم من امتلاكها ترسانة عسكرية أميركية في متناولها، عجزت إسرائيل عن هزيمة قوة تخوض حرب عصابات ولا تملك أي وسائل دفاع حقيقية. وقد اغتالت قوات الاحتلال عددًا لا يُحصى من القادة الفلسطينيين، وقصفت بلدهم بلا هوادة، وحولت غزة التاريخية إلى أنقاض، لكنها لم تنجح في سحق روح الصمود.
كان من المهم للغاية أن ينكشف زيف الصورة التي روّجت لها إسرائيل لنفسها كدولة ديمقراطية، متحضّرة، وأخلاقية، وأن توصم بالعار. وقد وصل المجتمع الدولي إلى إدراك طبيعة الكيان الصهيوني على حقيقته: مشروع استيطاني استعماري وحشي وغير قانوني في قلب العالم الإسلامي، يسعى إلى أن يصبح القوة الإقليمية المهيمنة بلا منازع. وبينما تنخرط في حملة بربرية بوحشية مطلقة في غزة والضفة الغربية المحتلتين، هاجمت إسرائيل أيضًا إيران، لبنان، سورية واليمن.
من المؤسف أن تكون واشنطن قد ألزمت نفسها بدعم الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل -ماليًا وعسكريًا وسياسيًا. وكان موقف العرب، بدولهم الثلاث والعشرين، (باستثناء اليمن)، والتي يبلغ عددهم 500 مليون نسمة، ضعيفًا وخاضعًا للولايات المتحدة.
ثمة الكثير الذي يستطيع العالم العربي، بل يجب عليه، أن يتعلمه من صمود الفلسطينيين. إن طاقتهم التحررية وثباتهم يقفان شاهدًا على ما هو ممكن: نظام إقليمي موحّد جديد يقول “لا” للهيمنة الأميركية – الإسرائيلية.
من الجدير ملاحظة أن القادة العرب أدركوا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية ضرورة الوقوف الحازم في وجه زرع الإمبريالية الغربية في المنطقة بشكل عام، وفي فلسطين على وجه الخصوص.
على سبيل المثال، أوضح الدبلوماسي المصري وأول أمين عام لجامعة الدول العربية حديثة التأسيس، عبد الرحمن حسن عزام، المعروف أيضًا بعزام باشا، موقف الجامعة من فلسطين والمزاعم الصهيونية خلال جلسة استماع علنية للجنة الإنجليزية-الأميركية للتحقيق في القاهرة في العام 1946. وكان قد تم تشكيل هذه اللجنة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لبحث تأثير توطين 100 ألف ناجٍ يهودي من المحرقة في فلسطين.
في جلسات الاستماع التي عقدت في القاهرة، قدّم عزام باشا رؤية مستقلة لمستقبل المنطقة، فقال:
“الصهيوني، اليهودي [الأوروبي] الجديد، يريد أن يهيمن، وهو يتظاهر بأنه يقوم بمهمة تمدينية يريد أن يتوجه بها إلى جنس منحط متخلف ليغرس فيه عناصر التقدّم في منطقة لا تريد أي تقدّم. حسنًا، هذه كانت دائمًا دعوى كل قوة سعت إلى الاستعمار وهدفت إلى الهيمنة… العرب يقفون ويقولون، ببساطة: لا. لسنا رجعيين ولسنا متخلفين… لدينا إرث غني من الحضارة والحياة الروحية. ولن نسمح بأن يسيطر علينا أحد…”.
رفض عزام باشا، كما كان حال قادة عرب آخرين في زمانه، إقامة دولة يهودية حصرية، واقترح بدلًا من ذلك قيام فلسطين مستقلة تحكم نفسها، وتُحترم فيها إرادة الأغلبية العربية وتُصان فيها المساواة الكاملة بين جميع سكانها، بغض النظر عن دياناتهم. ومن المؤسف أن المواقف الحالية تبدو صمّاء إزاء مثل هذا الطرح.
ليست فلسطين الوطن الأصلي للصهاينة ولا لذريّتهم، الذين احتلوا بشكل غير قانوني طيلة 77 عامًا أرضًا مسروقة، وأداموا أنفسهم بموارد منهوبة. وهو ما يفسر الغياب الكامل لأي ندم أو تردّد لدى النظام الإسرائيلي في تدمير غزة ذات التاريخ الممتد لخمسة آلاف عام.
منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلية قطاع غزة بشكل ممنهج، وهو ما يشكل جريمة حرب بموجب “المادة 53” من “اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949″، التي تحظر تدمير الأراضي المحتلة مسبقًا من قبل قوة احتلال. ومنذ انسحابها من اتفاق وقف إطلاق النار في آذار (مارس) 2025، نفذت إسرائيل عمليات هدم مسيطرًا عليها ومخططًا لها مسبقًا في كل أنحاء غزة المدمرة بالقصف، وقامت فعليًا بتسوية مدينة رفح بالأرض، وهي المدينة التي تمتد جذورها التاريخية لآلاف السنين.
لدى الفلسطينيين، تمامًا مثل أشجار زيتونهم التي يعتزون بها، حيوات متجذرة عميقًا في تراب فلسطين. ومثل هذه الأشجار، رفضوا أن يُقتلعوا على يد الإمبرياليين البريطانيين، والصهاينة، والأميركيين.
لقد عولَمَت ثورة تشرين الأول (أكتوبر) قصة النكبة الفلسطينية. لم يعد بالوسع تجاهل فلسطين. وأصبح بقاء النظام الدولي وسيادة القانون نفسيهما مرتبطًا بشكل وثيق ببقاء الأمة الفلسطينية.
اليوم، أصبح دعم المجتمع الدولي للنضال الفلسطيني أكثر أهمية وحسمًا من أي وقت مضى. ومن الضروري أن يتحول هذا الدعم من كونه دعمًا سلبيًا إلى أفعال ملموسة، وهو ما بدأت بعض الدول في إدراكه أخيرًا. وأدى هذا الوعي المتزايد إلى ظهور عدد من المبادرات الدولية، منها: “محكمة غزة”، و”مجموعة لاهاي”، و”مجموعة مدريد”، على سبيل المثال لا الحصر.
تستند “محكمة غزة”، التي تُعرف أيضًا باسم “محكمة الشعوب”، وهي مبادرة من المجتمع المدني، إلى خبرات مجموعة واسعة من المفكرين والأكاديميين والمحامين ونشطاء حقوق الإنسان، وشخصيات أخلاقية وثقافية، ومنظمات مدنية، وتعمل لتكون بمثابة “محكمة للضمير الإنساني”، وتتناول بشكل خاص الوضع في غزة.
وعلى سبيل المثال، في “المؤتمر الطارئ لمجموعة لاهاي” الذي عُقد في بوغوتا، كولومبيا، بتاريخ 15 تموز (يوليو) 2025، اتفقت جميع الدول الثلاثين المشاركة على أن “عصر إفلات [إسرائيل] من العقاب يجب أن ينتهي -وأن القانون الدولي يجب أن يُطبق”.
كما أن الهدف المُعلن لـ”مجموعة مدريد”، وهي تحالف يضم أكثر من 20 دولة أوروبية وعربية، هو إنهاء الحرب والحصار الإسرائيليين على غزة.
بعد مرور 22 شهرًا من الهمجية، أعرب وزراء خارجية بريطانيا و27 دولة أخرى أخيرًا عن “انتقادات حادة” لإسرائيل بسبب سلوكها في غزة. وعلى الرغم من كل محاولاتهم تجاهل المجازر، فإنهم لم يستطيعوا الاستمرار في إنكار مشهد القتل اليومي للغزّيين الذين يتضورون جوعًا ويحاولون يائسين الوصول إلى الغذاء. وقد قُتل أكثر من 1.054 شخصًا في مناطق توزيع المساعدات منذ أن استولت “مؤسسة غزة الإنسانية” -وهي مقاول أميركي مدعوم من إسرائيل- على هذه المواقع وفرضت الطابع العسكري على توزيع الإغاثة بتاريخ 26 أيار (مايو) 2025.
يوم الثلاثاء، 22 تموز (يوليو) 2025، حذر العاملون الإنسانيون في الأمم المتحدة من أن شرايين الحياة التي تُبقي سكان غزة على قيد الحياة شرعت في الانهيار. وفي اليوم نفسه، أفادت المستشفيات القليلة المتبقية بأنها سجلت وفاة 21 طفلًا خلال الأيام الثلاثة السابقة بسبب سوء التغذية والجوع. إن وحشية إسرائيل لا حدود لها.
كلمات المغنية بيلي هوليداي التي ترثي فيها الصمود الإنساني وقوة الروح البشرية: “فليبارك الله الابن الذي لا ينتظر عون أحد… الذي يجلب خبزه ويملك أشياءه” – يتم الشعور بها بإلحاح اليوم بشأن كل فرد في فلسطين، وبخاصة أطفالها.
*د. م. رضا بهنام Dr. M. Reza Behnam: باحث وأكاديمي أميركي من أصل إيراني، متخصص في السياسات الأميركية والمقارنة في الشرق الأوسط، وله مساهمات بارزة في تحليل التاريخ السياسي والسياسات الإمبريالية وتأثيرها للمنطقة، خاصة في ما يتعلق بإيران وفلسطين. شغل مناصب أكاديمية في عدد من الجامعات الأميركية، كما عمل مستشارًا في قضايا الشرق الأوسط. له كتابات ومقالات بارزة تتناول قضايا الاحتلال والعدالة الدولية، ويُعرف بمواقفه النقدية تجاه الأنظمة التي تنتهك القانون الدولي وحقوق الشعوب المستعمرة، التي نُشرت في منصات فكرية بارزة، حيث يسلط الضوء على ازدواجية السياسات الأميركية، ودعمها غير المشروط لإسرائيل، وتأثير ذلك على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة. كتابه الأبرز بعنوان “الأسس الثقافية للسياسة الإيرانية” Cultural Foundations of Iranian Politics، الذي يتناول فيه الجذور الثقافية العميقة للسياسة الإيرانية من منظور تاريخي وحضاري.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sumud and the Children of Palestine
