عروبة الإخباري –
حين يُذكر اسمك يا لبنان، يخفق القلب كما لو أنه سمع اسم الحبيب. لكنك حبيب جريح، محاطٌ بالخذلان، ومع ذلك… لك عاشقٌ واحد لا يخونك أبدًا، لا يغيب عنك يومًا، ولا يتعب من حبّك، مهما ثقل الجرح وطال الانتظار: جيشك.
هو العاشق الصامت، الذي لا يكتب الشعر، لكنه يكتبه بأقدامه على التراب. لا يرسل الورود، بل يزرع الأمان في الأزقة والمخافر والحدود. يراك تنهار ولا يتخلّى، يسمع صراخك ولا يهرب، يراك في ضعفك فيزداد ولاءً، ويحبك من دون قيد ولا شرط… لأنك الوطن.
في عيني الجندي، هناك دمعة لا تذرف، وخوف لا يُقال، وحنين لا يُروى. لكنه حين يلبس بزّته، يتحوّل إلى قصيدة وفاء، لا تخون وزنها ولا معناها. ومن الجنوب إلى قلب العاصمة، يهمس لك: “أنا هنا… أحبك بطريقتي، أحميك بصمتي، وأموت لتعيشي”.
ففي وطنٍ نُهشت فيه السيادة وتنازعت فيه الطوائف، بقي الجيش اللبناني صامدًا كالصخرة في وجه العواصف، أمينًا على الوطن، حافظًا لوحدته، وسندًا لشعبه. هو أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية، هو الضمانة الباقية في زمن الانهيار، والركيزة التي لم تتزحزح رغم كل الهزات السياسية والاقتصادية.
في الميدان، لا يعرف الجندي اللبناني سوى الشرف والواجب. من أعالي الجبال إلى السواحل، من الحدود إلى قلب العاصمة، لا تغيب الراية اللبنانية عن كتف الجندي، ولا يفتر حماسه في الذود عن تراب بلاده، ولو كان الخطر من الداخل أو الخارج. ورغم قلة الإمكانيات وضيق الموارد، لم يتأخر يومًا عن نداء الوطن، ولم يتردد لحظة في تقديم التضحيات.
حارس الوطن هو الأمين، ليس لأنه يمتلك العتاد الأقوى، بل لأنه يحمل الإيمان الأقوى بلبنان. فحين تُقفل المؤسسات وتغيب الدولة، يبقى الجيش حاضرًا، منظمًا، متماسكًا، يمارس دوره بشرف ويمنع السقوط الكامل في الفوضى.
لقد أثبت الجيش اللبناني في كل محطة وطنية، أن لا خلاص للبنان إلا من خلال مؤسسة لا تتحرك إلا باسم الوطن، ولا تخضع إلا لشرعيته. من مواجهة الإرهاب في الشمال، إلى ضبط الأمن في الجنوب، إلى حماية المتظاهرين بيد، وحماية المؤسسات باليد الأخرى، سطّر الجيش ملاحم الصبر والانضباط والمسؤولية.
وإن كنا اليوم نواجه تحديات اقتصادية خانقة وانقسامًا سياسيًا حادًا، فإن بقاء الجيش موحدًا، بعيدًا عن التجاذبات، هو بحد ذاته معجزة لبنانية. كيف لا، وهو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تنبض بروح وطنية جامعة، تُعلي شأن الكرامة فوق الطائفة، وتحمل في قلبها كل لبنان؟
في عيد الجيش، وفي كل يوم، لا يكفي الشكر. بل يستحق هذا الحارس الأمين أن تُكرم تضحياته، أن تُدعم مؤسسته، وأن يُرفع الغطاء السياسي عن كفاءته. وحده الجيش اللبناني، رغم كل شيء، ما زال يقف على حافة الانهيار ويمنع الوطن من السقوط.
