احتضن مسرح مركز الحسين الثقافي – رأس العين، عرضا عابقًا بالشجن والمجاز، هو العرض العراقي «قمر أحمر»، ضمن فعاليات مهرجان المونودراما العربي في دورته الثالثة، بمشاركة من نقابة الفنانين العراقيين وبالتعاون مع دائرة السينما والمسرح – العراق.
العرض المستوحى من رواية للكاتب جمال حيدر، حمل توقيع المخرج علي عادل السعيدي، وإعداد جميل الرجة، وشارك في تشكيل هويته البصرية والسمعية كل من عصام جواد (سينوغرافيا)، حسين جميل (موسيقى)، وأسامة خضر (إدارة المسرحية)، فيما تولّت الممثلة كاثرين هاشم تقديم الشخصية الوحيدة في العمل، عبر أداء استثنائي تنقلت فيه بين عوالم متشظية وصراعات داخلية وخارجية.
شخصية واحدة… أرواح متعددة
اعتمدت الرؤية الإخراجية للعرض على تشظية الشخصية المونودرامية إلى أجزاء تمثل حالات إنسانية مختلفة، تنبثق جميعها من الجسد والروح نفسها. فالشخصية تبدأ بالغناء باللهجة الشعبية العراقية لتقترب من جمهورها، وتعلن منذ البداية أنها «روح هائمة، بلا بداية أو نهاية»، حاملةً شجنًا كثيفًا تحمله من مدينة إلى أخرى، ومن جرح إلى جرح.
في إطار زمني لا يتجاوز الأربعين دقيقة، انتقلت كاثرين هاشم بين ست حالات متمايزة: الشاعر الذي ينشد في الطرقات، المجنون الذي ينطق حكمة، الأم المفجوعة بشهيدها، بائع الكتب المهمّش، ثم المدينة/ المرأة التي تخاطب المارّين وتلخّص وجع الجميع في صوتها.
وفي ذروة العرض، وعبر توظيف مؤثرات سمعية وبصرية عالية الكثافة، يستحضر العرض انفجار الكرادة عام 2016، الذي خلّف أكثر من ثلاثمئة شهيد، ليتحوّل القمر -الثيمة المركزية في العمل- إلى اللون الأحمر، وتسيطر مشاهد النار والخراب والدموع على الخشبة، بينما تقول الشخصية: «أراه في كل زاوية مظلمة، في كل دمعة، في قمرنا الأحمر».
أداء حسي متقن
تألقت كاثرين هاشم في تجسيد الانتقالات النفسية والصوتية والجسدية بين الشخصيات، مستخدمةً أدواتها التمثيلية بكفاءة لافتة. من الهمس المرتجف إلى البكاء، ومن الغناء الشعبي إلى الخطابة العالية، أظهرت قدرة على التأثير العاطفي، وتحقيق التماهي مع المتلقي. حتى في مشهد بائع الكتب، تميزت بخفة الحركة وتغيير الأزياء السريع، وبقدرتها على الإيهام المسرحي التام.
مشهد ثابت ودلالات متغيرة
رغم أن الخلفية المنظرية بقيت ثابتة طوال العرض، فإن استخدامها الرمزي كان محوريًا، خاصة في تفعيل المصطبة كموقع مركزي لكل التحولات: من مكان للجلوس إلى تابوت، إلى منضدة بيع كتب. كذلك كان لمرايا الحبال، والورد الأحمر، ومصباح الهاتف المحمول، دلالات رمزية متعددة في تكوين الحالة البصرية.
عرض لا يُنسى
«قمر أحمر» عرض مونودرامي نجح في تحويل التجربة المحلية إلى خطاب إنساني عالمي، وهو ما أكّده إدراج ترجمات إنجليزية في المشهد الأخير من العمل، بهدف «تدويل القضية».
في النهاية، لا يمكن إلا التساؤل: من هي هذه الشخصية التي خاطبتنا طوال العرض بـ«أيها المارّون»؟ والإجابة الأقرب هي: ليست امرأة فقط، بل هي المدينة بأكملها، الوطن، الإنسان.
«قمر أحمر» ليس عرضًا مسرحيًا عابرًا، بل صرخة بصرية ووجدانية، ينبغي أن تُعرض وتُعاد. فمثل هذه العروض لا تصنع جمهورًا فحسب، بل تصنع ذاكرة.
