عروبة الإخباري –
مداء الوطن – الياس دمّر –
في كل مرّةٍ أشاهد فيلمًا جديدًا من “عالم السّنافر”، تنشط ذكريات أشهر مسلسل للأطفال في الثّمانينات. انبهرنا حينها بتصميم الشّخصيّات وألوانها الزّاهية، ضمن عالمٍ خياليّ آمن مُتكامل وموسيقى تصويريّة لا تُنسى. عند إطلاقه، تفوّق أبطال المسلسل الزّرق الصّغار على أكبر نجوم الرّسوم المُتحرّكة آنذاك، حيث تخطَّت نسبة المشاهدة عالميًّا نجاحات “Tom & Jerry” و “Bugs Bunny”. أمّا سينمائيًّا فتخطَّت أرباح الثّلاثيّة الأخيرة المليار دولار عالميًّا، لكن مع تراجعٍ مستمر على المستوى الفنّي.
أزرق مختلف
اليوم، يُقدِّم فيلم “SMURFS” قصّة “سنفور” لا يحمل اسمًا ولا يتميّز بقدرات (No Name Smurf)، في رحلةٍ للبحث عن هويّته وسط مهمّة لإنقاذ “بابا سنفور” (Papa Smurf) من خطر السّاحر “رعزميل” (Razamel) وأخيه “شرشبيل” (Gargamel).
هذه القصَّة، رغم بساطتها، نجدها تتعمَّق بطريقة سلسة في موضوعات يُساء تفسيرها كثيرًا عبر الفضاء الرّقمي: من الفرديّة مقابل الانتماء، أهميّة القبول الذاتي، وقيمة الاختلاف في عالمٍ يسعى للتّماثل. وتحت قيادة المُخرج Chris Miller، أحد أبرز أسماء السّينما التّحريكية الحديثة، الذي ترشَّح لـ “جائزة أوسكار أفضل فيلم تحريك” عن “Puss in Boots”، يتحوّل الفيلم إلى رحلة بصريّة ساحرة. ومن أروع ما قدَّمه الفيلم تقنيًّا، تجربة بصريّة جريئة في تفكيك الشّكل التّقليدي لفيلم “الأنيمايشن”، من خلال خلط أنماط فنيّة متعددة. من الرسوم الطينيّة (Claymation) إلى “الأنيم” الياباني (Anime) والرّسم بالأقلام الشمعيّة وأقلام الرّصاص الملوّن، ومُضيفًا أسلوب ألعاب الفيديو القديمة (bit animation-8)، والمزج مع مشاهد حيّة (Live-Action). هذا التنوّع لم يكن استعراضيًا بقدر ما كان تعبيرًا فنّيًا عن حالة عدم الاستقرار والبحث عن الذات التي يعيشها بطل الفيلم. يضع ميلر المتفرّج الصّغير قبل الكبير في قلب الحكاية لا كمُتفرّجٍ سلبي، بل كشريك في رحلة التشكّل والإدراك.
أصوات بين اللّافت والخافت
لمعت أصوات الشّخصيّات المساندة مع المُمثّلين المُخضرمين: John Goodman في دَور “بابا سنفور”، Kurt Russell في دَور “السّنفور Ron” وNick Offerman في دَور “السّنفور Ken”. مشاركاتهم أضافت أبعادًا دافئة وأداءات صوتيّة متينة ترتقي بالمادة السرديّة. لكن المؤسف تجلّى في أداء الشّخصيّات الأساسيّة، حيث أدّى النّجم التّلفزيوني James Corden دَور “السّنفور No Name”، ونجمة الغناء Rihanna دَور “السّنفورة Smurfette”. وافتقر كلا الأداءين إلى الحيويّة والتنوّع العاطفي، ما أدّى إلى تسطيح الشخصيّات بين الفُكاهة والمواقف الحسّاسة وعدم خلق أيّ توازن بين الكوميديا السّاخرة والصّدق.
يستسهل كثيرون مهنة التّمثيل الصّوتي، إلّا أنَّ تنفيذها يتطلّب تفوّقًا في قدرة بثّ مشاعر مُتعدّدة ضمن أفلام التحريك. لكن عوّض عن ذلك، التنقّل الموسيقي بين الأساليب الإلكترونيّة والكلاسيكيّة الذي يُرافق تنقّل الفيلم بين العوالم الفنيّة. كما أنَّ أغنية الفيلم “Friend of Mine” التي أدّتها Rihanna تشكّل لحظة مفصليّة مؤثّرة وتُعبّر عن التحوّل الداخلي في شخصيّة البطل.
تفكير بِمرح
بعيدًا من كونه مُجرّد فيلم للأطفال، نجح “SMURFS” في أن يكون عملًا تأثيريًا في قضايا الهويّة والاختلاف والانتماء. العالم الذي يخلقه الفيلم ليس فقط مساحة للضّحك والمطاردة، بل أيضًا واحةً للتّفكير لدى المُشاهد الصّغير، بأسلوبٍ مرِح وخفيف الظل. هذه التّوليفة بين الطّفولة والتأمّل وبين العبث والفلسفة، هي ما يمنح الفيلم رمزيّته الفعليّة، ويجعل منه أحد الأعمال العائليّة التي تجرؤ على مخاطبة جميع الفئات العمريّة بلغة واحدة مُتعدّدة الطّبقات.
يُشاهَد مع العائلة في صالات السّينما، مع عين مفتوحة على الرّسائل وقلب مُستعد للإثارة البصريّة!
