عروبة الإخباري –
في مرحلة مفصلية تمر بها المنطقة والعالم، يثبت الأردن مرة أخرى أنه ليس مجرد مراقب للمشهد السياسي، بل فاعل رئيسي يرسم طريقه بإرادة سيادية وإصلاح نابع من الداخل، لا مفروض من الخارج. فقد جاء قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022 ليكون أكثر من مجرد تشريع ينظم العمل الحزبي؛ إنه إعلان واضح عن رؤية الدولة لمستقبلها السياسي، ومؤشر قوي على نضج التجربة الأردنية وقدرتها على إدارة التحول الديمقراطي بثقة وتوازن.
التمويل الحزبي.. استقلال القرار الوطني
من أبرز ما يميّز هذا القانون هو حسمه لموضوع التمويل الحزبي، وهي نقطة طالما شكّلت ثغرة خطيرة في تجارب أخرى. القانون الأردني يُغلق الباب أمام التمويل الخارجي أو الغامض، ويُقر بأن القرار السياسي لا يُشترى، ولا يُقايَض، بل يجب أن يكون نابعًا من إرادة وطنية حرة.
بهذه الخطوة، تُرسي الدولة قاعدة ذهبية:
لا ديمقراطية بلا استقلال مالي، ولا استقلال بلا سيادة وطنية.
شفافية ومساءلة.. لا مكان للفوضى
في روح القانون أيضًا، نجد التوازن الفريد بين الحرية والتنظيم. فبينما يمنح القانون الأحزاب مساحة واسعة من الحرية في التشكيل والعمل، فإنه يُخضعها أيضًا لأعلى درجات الشفافية والمساءلة. أموال الأحزاب تُعامل كأموال عامة، والقائمون عليها يُخضعون للمساءلة كما الموظفين العموميين.
هذا لا يقيّد العمل الحزبي، بل يرفع من مستواه، ويُرسّخ ثقافة حزبية قائمة على الثقة، والاحترام المتبادل، والمصلحة العامة.
تمكين واقعي لا شعارات
خلافًا لما نراه في تجارب تكتفي بالخطاب دون الفعل، يُلزم القانون الأردني الأحزاب بتخصيص موارد حقيقية لتمكين الشباب والمرأة وذوي الإعاقة، خصوصًا خلال الحملات الانتخابية. هذا ليس امتيازًا لفئة، بل تعبير عن عدالة اجتماعية ترى في التعددية عنصر قوة لا تهديد.
تشجيع لا تقييد
من أبرز ما يُحسب للقانون أيضًا أنه يتعامل مع العمل الحزبي بروح تحفيزية لا عقابية. فقد شمل القانون إعفاءات ضريبية لمقار الأحزاب، واعتبر التبرعات نفقات ضريبية قابلة للتنزيل، وسهّل الإجراءات المالية والتنظيمية.
بهذا، تؤكد الدولة أن التنظيم لا يعني التضييق، بل يمكن أن يكون بابًا للتمكين، حين تكون النية صادقة، والرؤية واضحة.
ديمقراطية بهُوية أردنية
ما يُميّز التجربة الأردنية أنها لا تُقلّد نماذج مستوردة، بل تسعى لبناء ديمقراطية تعكس ثقافة المجتمع الأردني، وتاريخه، وهُويته الوطنية. القانون يمنع أي ارتباط خارجي مالي أو تنظيمي، ويُلزم الأحزاب باحترام الدستور، والوحدة الوطنية، ورفض الاستقطاب.
هذه ليست فقط مواد قانونية، بل مبادئ تأسيسية لديمقراطية ناضجة، مسؤولة، ومُعبّرة عن روح الوطن.
الأردن.. نموذج القوة الهادئة
في وقت تترنح فيه بعض الدول أمام موجات الفوضى أو الانغلاق، يُظهر الأردن قدرته على العبور الآمن نحو الإصلاح، بإرادة داخلية، ومؤسسات دستورية متماسكة، وقيادة تعرف كيف توازن بين الحرية والانضباط، وبين التعددية والسيادة.
قانون الأحزاب السياسية ليس مجرد إصلاح تشريعي، بل شهادة جديدة على صلابة الدولة الأردنية، وثقتها في ذاتها، وشراكتها الصادقة مع شعبها في بناء مستقبل ديمقراطي متوازن.
ختاماً، لا يمكن إلا أن نُشيد بهذه الخطوة المتقدمة التي تُعزز صورة الأردن كدولة مبادرة، لا منفعلة، تؤمن أن الإصلاح ليس ضرورة آنية، بل خيار استراتيجي مستمر، تقوده مؤسساتها بثقة، ويحتضنه شعبها بوعي وفخر.
