عروبة الإخباري –
في زمن عزّ فيه الوفاء وتكاثرت فيه خناجر الطعن في ظهر الوطن، يسطع اسمٌ كالفجر في عزّ العتمة، لا ينحني لرياح الانقسام، ولا يساوم على كرامة الأرض، إنه غازي العريضي، رجل الدولة الذي لم يخن قسمه، ولم يتخلَّ عن وطنه يومًا، مهما اشتدت العواصف وتعاقبت الأهوال.
من بيصور، تلك البلدة الشامخة كجبالها، خرج شابٌّ مسكونٌ بتراب لبنان، عاشقٌ لكل ذرة من هوائه، حافظٌ لقسمٍ لم يُدوَّن على ورق، بل نُقش في الوجدان: أن يبقى لبنان، أولاً وأخيرًا.
بدون أدنى شك بأن الوزير الأسبق، غازي العريضي، ليس سياسيًا تقليديًا مرّ في دهاليز السلطة مرور العابرين، بل هو نسيجٌ خاص من الوفاء والمبدأ، رجل حاور، فاوض، واجه، لكنّه لم يبع ضميره. بقي صوته صوت العقل، وصدى الوطنية النقية. من البرلمان إلى المنابر، من وزارة الإعلام إلى الأشغال، كان دائمًا حامل همّ الوطن لا همّ الكرسي، ناشرًا فكرة الدولة لا سلطة الطائفة.
منذ فترة، دأبت على قراءة ونشر مقالاته، فوجدت فيها نبضًا حقيقيًا لا يُزيّفه الأسلوب ولا تُخفيه البلاغة. لمست فيها ذلك الحب الكبير والولاء الصادق للبنان، حبٌّ ينفذ إلى عمق النص، إلى مفرداته، إلى سطوره المسكونة بقلق الوطن وشغف الحفاظ عليه، ولا يمكن تجاهل ما يخطّه من رؤى ثاقبة في قضايا العرب الكبرى، بدءًا من هموم الداخل اللبناني، وصولًا إلى نبض المشرق وأشجانه، وخصوصًا القضية الفلسطينية التي لم تغب عن وجدانه، لا في فكره ولا في كلماته.
لم يكن يوماً أسير موقع، بل أسير قضية، ولم يكن من أولئك الذين يبدّلون جلدهم تبعًا للرياح، بل ثبت، وثبّت غيره، كتب عن الزمن الصعب لأنه عايشه وواجهه، وحين تكلّم، تكلم باسم جيلٍ كامل تعب من الحروب، واشتاق لبيروت نقية كما الحلم.
حبه لفلسطين ليس شعارًا، بل عقيدة نضالية رافقها بالقول والفعل، حتى منحه الشعب الفلسطيني جنسيته تكريمًا، وكأنّ الهوية نفسها تعترف برجالها خارج الحدود.
غازي العريضي هو من تبقى من زمنٍ لبناني جميل، فيه للسياسة أخلاق، وللمنصب هيبة، وللحب الوطني صدق. هو الذي لم نسمعه في خطب التحريض، بل في لغة المصالحة. لم نره يوماً يرفع علمًا على حساب آخر، بل ارتدى علم لبنان وحده، ببياضه ونقائه ودم شهدائه.
وإن كانت السياسة مرآة لأخلاق الرجال، فإن غازي العريضي ترك على مرآة الجمهورية بصمة من نور… لا يمحوها غبار الخلاف، ولا غدر النسيان.
