عروبة الإخباري –
في تلك الليالي المضيئة بدم الشهداء، حين ارتفعت راية العرب فوق رُبى الحجاز، لم تكن صيحة “يا أمة العرب” نداء حجازيًا وحسب، بل كانت زلزلةً في قلوب الرجال الأحرار من جبل العرب إلى سواحل الشام، من مضارب البادية إلى مدائن التاريخ.
في صُلب هذا الحراك المجيد، بزغت شمس العشائر الدرزية، رجالًا لا يعرفون المساومة، وسيوفًا لا تُغمد حتى يُستعاد الحق. لم ينتظروا دعوة، ولم يطالبوا بثمن؛ بل كانت الكرامة دربهم، والعروبة إيمانهم، والحرية قسمًا لا يُنقض.
اللقاء الذي لم يُعلَن، لكنه وقع في وجدان الأمة
حين أطلق الشريف الحسين بن علي، رصاصته الأولى ضد الظلم العثماني، لم يكن وحده في الميدان. ففي الجبال الجنوبية من سوريا، في جبل العرب، كان سلطان باشا الأطرش، النبيل الدرزي، يصقل سيفه على صخر الوفاء، ويجمع رجال عشيرته ورفاقه، استعدادًا لمعركة لا تهدف إلى سلطة، بل إلى نهضة أمة.
لم يكن سلطان الأطرش تابعًا، ولم يكن الحسين زعيمًا بعيدًا. لقد اجتمع الاثنان في حلفٍ غير مكتوب، حلف الشرفاء، الذين آمنوا أن الأوطان تُبنى لا على الصفقات، بل على الجراح النازفة والأيادي المتكاتفة.

وقد كان المغفور له باذنه تعالى، الملك الحسين قد التقى مع عطوفة سلطان باشا الأطرش و الشيخ متعب الأطرش والشيخ نسيب نصار والشيخ مرشد رضوان، يوم 8 آذار من عام 1954.
الدروز… من الثورة إلى التأسيس
ما إن انجلى غبار المعارك، وتحقق أول الحلم في تحرر الحجاز ثم دمشق، حتى بدأ فصل جديد من النضال. كانت العشائر الدرزية – التي انتقل بعضها إلى شرق الأردن – حاضرة في التأسيس، لا كضيوف، بل كشركاء.
في الزرقاء وعمّان ومادبا والسلط، أقام أبناء الصباغ وقنطار وأبو درويش والحلبي والعنيزات وعديد العشائر الدرزية، بيوتًا على الأساس الذي دافعوا عنه بالسلاح: الوطن.
انخرطوا في صفوف الجيش العربي منذ أيامه الأولى، وكانت أسماؤهم في طليعة قوائم الشرف العسكري والسياسي.
أدوا دورًا في بناء الإدارة، والتعليم، والقضاء، محتفظين بجذورهم ومُضيفين على الدولة هويتهم الرفيعة.
الثابتون على العهد
عرفت الدولة الأردنية منذ نشأتها أن في العشائر الدرزية سندًا لا يلين، فهم أهل عهد، يُعرفون بثباتهم لا بتقلبهم، بعروبتهم الصادقة لا بالشعارات. لم تغرهم المنافع، ولم تزعزعهم المحن. بقوا – كما كانوا – جنودًا للحق، وأنصارًا للوحدة، وحراسًا لصوت الضمير.
لا ينسى التاريخ من طبع اسمه على جبينه
إن كانت الثورة العربية الكبرى شرارة ولادة الأمة الحديثة، فإن العشائر الدرزية كانت وقودها النبيل، ورجالها الصامتين الذين كتبوا مجدهم لا بالحبر، بل بدماء الرجولة، وصهيل الخيل، وأمانة الانتماء.
فيا أبناء الجبل الأشم، ويا من حملتم السلاح قبل أن تُرفع الرايات، إن التاريخ لا ينسى، وإن الوفاء لأمثالكم دين في أعناق الأوطان.
