جانيت إتش أندرسون – (جستِس إنفو نِت)
بعد أقل من عام على إصدار محكمة العدل الدولية حكما يقضي بعدم شرعية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، وبدعمها لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، تنظر المحكمة الدولية التابعة للأمم المتحدة الآن في جانب آخر من الصراع: التزامات إسرائيل بصفتها قوة احتلال، ومسؤولياتها تجاه الأمم المتحدة نفسها.
* * *
إذا كنت من المتابعين المنتظمين لجلسات محكمة العدل الدولية، سيكون من المألوف لديك رؤية بعض الوجوه القانونية التي قدمت الأسبوع الماضي الحجج المتعلقة بالتزامات إسرائيل كقوة احتلال وعضو في الأمم المتحدة. ثمة تداخل كبير بين هؤلاء والمحامين الذين ترافعوا سابقا في القضية المنفصلة التي رفعتها جنوب أفريقيا بموجب “اتفاقية منع الإبادة الجماعية” ضد إسرائيل -القضية التي أسفرت عن صدور عدة تدابير مؤقتة من المحكمة، تلزم إسرائيل بتوفير وسائل البقاء للسكان المدنيين في قطاع غزة، في ظل الهجوم الذي تشنه قواتها على “حماس” منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
لكنّ الرأي الاستشاري الذي طلبته “الجمعية العامة للأمم المتحدة” هذه المرة يختلف عن كلٍّ من قضية الإبادة الجماعية والرأي الاستشاري الصادر العام الماضي بشأن مسؤوليات إسرائيل كقوة احتلال. فقد تناول الرأي السابق القضايا حتى تشرين الأول (أكتوبر) 2023 فقط -أي قبل هجوم “حماس”، كما يوضح ويم مولر، الأستاذ المساعد في القانون الدولي العام بجامعة ماستريخت.
أما الرأي الحالي فهو استجابة للظروف الراهنة في غزة، كما أعاد توصيفها رئيس “وكالة الأمم المتحدة المعنية بالشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة” (أوتشا) في 3 أيار (مايو). قال توم فليتشر في بيان مكتوب وُجّه إلى “من ما يزال بإمكانه مخاطبة” السلطات الإسرائيلية: “منع المساعدات يؤدي إلى تجويع المدنيين. ويحرمهم من الرعاية الطبية الأساسية. ويسلبهم الكرامة والأمل. ويفرض عليهم عقابا جماعيا قاسيا. إن منع المساعدات يقتل”.
يقول مولر: “لهذا السبب طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة صراحةً من المحكمة أن تُسرّع في جلساتها كردّ مباشر على الأزمة الإنسانية المتصاعدة في غزة”. لكن هذه القضايا المختلفة تشكل في نهاية المطاف، على الرغم من قيودها وحدودها الخاصة، “نوعًا من الأحجية” في ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، على حد تعبير مولر. وكما حدث، تكرّرت في الأدلة المقدّمة للمحكمة المأساة المتواصلة في غزة، مع تفاصيل أحدث عن حجم التهديدات التي تواجه النساء والأطفال الفلسطينيين، والحصيلة اليومية من القتلى والجرحى التي يشهدها الأطباء، لكنهم يعجزون عن معالجتها.
قالت المحامية الإيرلندية بلين ني غرالا، التي مثّلت جنوب أفريقيا سابقًا في إجراءات الإبادة الجماعية، أثناء مرافعتها أمام المحكمة نيابة عن فلسطين: “أصبحت غزة تضم الآن أكبر عدد من مبتوري الأطراف من الأطفال في العالم، وأكبر أزمة أيتام في التاريخ الحديث، وجيلًا كاملًا مهددًا بالإصابة بالتقزّم، مما يسبب أضرارًا جسدية وعقلية لا تُشفى؛ لقد قُتل أكثر من 15.600 طفل بشكل عنيف. وعشرات الآلاف من أطفال غزة إما جرحى أو مفقودون، وكثير من الناجين منهم مصابون بصدمات نفسية تجعلهم يعبّرون صراحة عن رغبتهم في الموت”. وعُرض في الجلسة تسجيل مصوّر للدكتور محمد مصطفى، الطبيب الأسترالي الذي تطوع في غزة في آذار (مارس) الماضي، قال فيه: “القصف لا يتوقف. نفد لدينا الكيتامين، نفد البروبوفول، نفدت كل مسكنات الألم. لا نستطيع تخدير أحد، ولا تقديم أي دواء مسكن. عندما نقوم بإدخال أنبوب التنفس، يستيقظ المرضى وهم يختنقون لأننا لا نملك أي مهدئات. هناك سبع فتيات تم بتر أرجلهن من دون تخدير… معظم الحالات من النساء والأطفال، محروقون من الرأس حتى القدم، أطراف مفقودة، ورؤوس مفقودة”.
عزلة إسرائيل
تقول جولييت ماكنتاير، المحاضِرة في القانون بجامعة جنوب أستراليا، أن دور المحكمة الدولية مهم لأنه يعيد تأكيد القواعد على الجميع، بما في ذلك الدول التي قد تميل إلى عدم السماح بوصول الأمم المتحدة. وتضيف: “إنه مثل لعبة شد الحبل. في كل مرة تخالف فيها دولة قاعدة ما، أو تنتهك معيارًا، يَضعف ذلك المعيار لأن الدول الأخرى ترى أن بإمكانك الإفلات من العقوبة، وتفكر: “أنا أيضًا يمكنني فعل ذلك”. عندما تأتي المحكمة وتعيد تأكيد المعيار، فإن المعيار يصبح أقوى”.
أكدت حوالي 40 دولة ومنظمة دولية، في مذكرات خطية وشفوية مقدمة إلى المحكمة الدولية، أن إسرائيل مُلزمة قانونًا بالسماح بدخول المساعدات إلى قطاع غزة، وبالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تأسست في العام 1949 بعد إنشاء دولة إسرائيل، لدعم اللاجئين الفلسطينيين الموزعين في مخيمات في عدة دول.
في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، حظَر البرلمان الإسرائيلي، “الكنيست”، عمل وكالة (الأونروا). وفي مذكراتها القانونية المقدّمة إلى محكمة العدل الدولية، زعمت إسرائيل أن هذه الهيئة التابعة للأمم المتحدة تُشكّل تهديدًا أمنيًا. لكن العديد من الدول أشارت في مذكراتها إلى أن الادعاءات بشأن عدم حيادية (الأونروا)، أو كونها مخترقة من حركة حماس، خضعت لتحقيقات مستقلة برأت الوكالة من التهم، بينما كانت الوكالة تجري في الوقت نفسه إصلاحات داخلية. ومع ذلك، قدمت الحكومة الإسرائيلية مذكرة خطية من 37 صفحة للمحكمة، ذُكرت فيها (الأونروا) 278 مرة. وجاء في المذكرة: “إن فشل (الأونروا) في الالتزام بتفويضها، والوفاء بالمبادئ الأساسية المتمثلة في الحياد، وعدم التحيز، والاستقلالية -وهي المبادئ التي لطالما أقرتها الأمم المتحدة كأساس لتقديم المساعدات الإنسانية- لا يمكن إنكاره بقدر ما هو فادح”. وتجادل الوثيقة بأن لإسرائيل الحق في إنهاء تعاونها مع الوكالة بدافع الحفاظ على أمنها.
يقوم موقف إسرائيل على اعتقادها بأنها تتصرف وفقًا للقانون الدولي، وقد دعمت هذا الموقف مذكرات مقدمة من الولايات المتحدة والمجر. وتقول جولييت ماكنتاير: “ما هو لافت فعلاً في هذه القضية هو مدى وضوح القانون، ومدى اتفاق الجميع عليه -باستثناء الولايات المتحدة والمجر”. وتشير إلى أن دولا مثل روسيا والصين تدعم هذا التوجه، وهو ما يعتبر “أمرا غير مألوف”، على حد قولها. ويُعلق مولر بأن هذا المشهد يُظهر مدى عزلة الموقف القانوني الإسرائيلي. ويقول: “يبدو أن إسرائيل تخسر الحُجّة”.
هل هناك شيء غير واضح؟
ثمة ما هو ملفت في الاستخدام المتزايد لمحكمة العدل الدولية في كل من القضايا الخلافية وطلبات الرأي الاستشاري. يقول مولر: “هناك عدد متزايد من الدول التي أصبحت تلجأ إلى المحكمة، وتقدّم مذكرات حتى عندما قد يتساءل المرء عن سبب تخصيصها مواردها لهذا. إنه يدل فقط على أنها ترى في المحكمة ساحة شرعية لعرض مواقفها وإبرازها في المشهد القانوني الدولي”.
وتُقرّ ماكنتاير بأن الكثير من الحجج المقدّمة تناولت مسألة التعويضات. وتقول: “الشيء الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القضية هو أنها ليست مثيرة للاهتمام: الجميع موجود هنا ليقول الشيء نفسه. قانون الاحتلال واضح جدًا. القانون المتعلق بالحصانات واضح إلى حد بعيد. لا توجد مساحة كبيرة للمناورة هنا”.
كيف يمكن أن تحكم المحكمة؟ يقول مولر: “من الصعب دائمًا التنبؤ، بطبيعة الحال”. لكنه يشير إلى أن صيغة السؤال الموجّه إلى المحكمة قد تفتح الباب لاحتمالات مختلفة:
“ما هي التزامات إسرائيل، بصفتها قوة احتلال وعضوًا في الأمم المتحدة، في ما يتعلق بوجود وأنشطة الأمم المتحدة، بما في ذلك وكالاتها وهيئاتها، والمنظمات الدولية الأخرى والدول الثالثة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو المتصلة بها، بما في ذلك ضمان وتسهيل تقديم الإمدادات العاجلة والأساسية لبقاء السكان المدنيين الفلسطينيين، بالإضافة إلى الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية والتنموية لصالح السكان المدنيين الفلسطينيين، ودعمًا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير”؟
يمكن للمحكمة أن تتناول هذا السؤال بشكل ضيّق، وأن تكتفي بإعادة التأكيد على القانون القائم. أو، كما يقول مولر، “قد تسمح الخلفية والسياق بأن تُصدر المحكمة حكمًا أوسع نطاقًا، خصوصًا وأن الصيغة تتضمن إشارة إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. ومن الواضح أيضًا، من طريقة استجابة بعض الدول والمذكرات التي قدمتها، أن بعضها يتعامل مع السؤال بنطاق واسع جدًا، بل ويتناول جوانب متعددة من سبل الإنصاف”.
طرح ثلاثة من قضاة المحكمة أسئلة خلال جلسات الاستماع التي استمرت أسبوعًا، ركزت تحديدًا على الحصار الإسرائيلي الراهن. ويقول مولر: “من الممكن، في ضوء المعطيات الواقعية، أن تتخذ المحكمة خطوة إضافية وتحكم بشكل أوسع مما قد نتوقع”. وتضيف ماكنتاير: “المحكمة مدركة تمامًا للسياق. إنها تجيب على السؤال، لكنها تفعل ذلك وهي واعية تمامًا للسياسات المحيطة به”.
في الأثناء، سرّبت إسرائيل تفاصيل عن خطة جديدة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، تقضي باستبعاد (الأونروا) تمامًا من العملية. ومن المتوقع أن تُطرح هذه الخطة للمصادقة عليها في اجتماع الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد، لكنها قوبلت بالفعل برفض واسع من قبل وكالات الإغاثة. ويتوقع مولر أنه، إذا تمكّنت إسرائيل من تقديم آلية بديلة تفي بالمعايير القانونية، فقد يؤثر ذلك على الحكم: “قد يحدّ ذلك من نطاق القرار أو يجعل المحكمة تميل إلى تخفيف لهجتها تجاه إسرائيل في رأيها الاستشاري. أعتقد أن ذلك قد يكون له تأثير، لأن المحكمة تميل في كثير من الأحيان إلى البراغماتية”.
*جانيت إتش. أندرسون Janet H. Anderson: صحفية متمرّسة في مجال العدالة الدولية، وتقيم في لاهاي. وهي المراسلة الرئيسية لموقع Justice Info، غطّت لأكثر من 25 عامًا أبرز المحاكم الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. عملت سابقًا منتجة إذاعية في خدمة (بي بي سي) العالمية ومراسلة في غرب إفريقيا، كما تقوم بتدريب المنظمات غير الحكومية والصحفيين، وتشارك في تقديم بودكاست Asymmetrical Haircuts، وتقود جهودًا في مجال المناصرة من أجل المساءلة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Is Israel Losing the Legal Battle?
