عروبة الإخباري –
في نهاية شهر حزيران، من المفترض أن يتقاضى العسكريون في لبنان زيادة على رواتبهم بقيمة 14 مليون ليرة لبنانية، يُضاف إليها المبلغ نفسه كمفعول رجعي عن شهر أيار، إلى جانب رواتبهم الأساسية، وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تبدو في ظاهرها استجابة متأخرة لحاجات حقيقية وملحّة، إلا أنها تطرح في العمق أكثر من علامة استفهام حول منهجية إدارة الدولة للملف الاجتماعي والمعيشي، لا سيّما في ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية.
فمن حيث التوقيت، تأتي هذه الزيادة بعد سنوات من التآكل المتسارع للرواتب بفعل الانهيار المالي الذي شهده البلد منذ أواخر عام 2019، ما جعل معاشات العسكريين، شأنهم شأن سائر موظفي القطاع العام، غير كافية حتى لتغطية كلفة التنقّل إلى أماكن خدمتهم. وبالتالي، فإن الحديث اليوم عن زيادة قد تكون مجرّد “إبرة مورفين” مؤقتة في جسد أنهكته الوعود المقطوعة.
أما من ناحية الشكل، فإن صرف هذه الزيادة – سواء بأثر رجعي أو آني – يفتقر إلى أي خطة واضحة أو تصور استراتيجي طويل الأمد. فلا حديث عن إعادة هيكلة للأجور، ولا عن ربط الزيادات بمؤشرات غلاء المعيشة، ولا حتى عن حلول مستدامة لتأمين التمويل خارج إطار طباعة العملة، بما يفاقم من الضغوط التضخمية القائمة.
ثم إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الزيادة، التي تم الترويج لها إعلاميًا بوصفها “منجزًا”، لم تأتِ نتيجة خطة إصلاحية شاملة، بل كخطوة ترقيعية معزولة، تخدم في أفضل الأحوال أجندة ظرفية تهدف إلى تهدئة الغضب الشعبي داخل المؤسسات العسكرية. وهي في جوهرها، لا تعدو كونها محاولة لتسكين الألم بدلًا من علاج المرض.
العسكريون في لبنان لا يطلبون منّة ولا منحة، بل حقوقًا عادلة تحفظ كرامتهم وتكافئ تضحياتهم، أما الدولة، فمطلوب منها أكثر من مجرد إقرار زيادات موسمية: مطلوب منها رؤية، وإرادة، وآليات حوكمة حديثة، تعيد الاعتبار للجهاز العام، وتكسر الحلقة المفرغة من الانهيار والتخدير.
وفي ظل غياب ذلك، تبقى كل زيادة مالية – مهما بدت سخية رقميًا – مجرّد بند إضافي في دفتر اللامسؤولية الوطنية.
