إذ تحتل الممرات والمضائق البحرية موقعاً بالغ الأهمية في تاريخ العلاقات الدولية؛ لأنها لا تمثل مجرد ممرات طبيعية للسفن، وإنما تشكل في كثير من الأحيان نقاط استراتيجية تتحكم بجزء مهم من حركة التجارة العالمية وانتقال الطاقة والتواصل بين القارات, ومن أبرز هذه الممرات مضيق باب المندب الذي اكتسب أهمية متزايدة بسبب موقعه الجغرافي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل في الوقت نفسه بوابة بحرية مهمة باتجاه قناة السويس والبحر المتوسط, وعد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم الدولي؛ نظراً لموقعه الاستراتيجي الذي تم ذكره اعلاه، ونقله للطاقة بين الشرق والغرب مما أدى إلى منحه أهمية كبيرة في حركة التجارة الدولية. وقد جعل هذا الموقع باب المندب جزءاً من الحسابات الأمنية والاستراتيجية للدول الإقليمية والقوى الكبرى فاستقرار الملاحة فيه يرتبط مباشرة بأمن التجارة الدولية، في حين أن تحوله إلى منطقة توتر يمكن أن يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود الدول المشرفة عليه لتصل بدورها إلى الاقتصاد العالمي
ومن هنا برزت المقارنة بين ما يجري في باب المندب و مضيق هرمز، إذ إن كليهما يمثلان نموذجاً واضحاً لأهمية الجغرافيا البحرية في الصراعات السياسية فحين تتركز حركة التجارة والطاقة في ممر جغرافي ضيق، يصبح التحكم بأمنه أو تهديده وسيلة ضغط ذات قيمة استراتيجية كبيرة, و
ارتبط اسم المضيق تاريخياً بمعانٍ تتعلق بالمخاطر والمآسي التي كانت تواجه البحارة في هذه المنطقة، ولذلك أصبح اسمه مرتبطاً بفكرة باب المندب أي الباب الذي يمثل العبور إلى منطقة بحرية ذات أهمية ومخاطر في الوقت نفسه,
وقد ساهمت الظروف الجغرافية والتيارات البحرية وطبيعة الملاحة في المنطقة في تعزيز أهمية المضيق منذ العصور القديمة، ولا سيما مع ازدهار التجارة بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند .
أولاً :الأهمية التاريخية لمضيق باب المندب
لم تبدأ أهمية باب المندب في العصر الحديث فقط ؛ بل تعود جذورها إلى التاريخ القديم عندما كانت طرق التجارة البحرية تربط بين مناطق شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند ومع تطور النشاط التجاري البحري أصبح البحر الأحمر ممراً مهماً بين الشرق والغرب ثم ازدادت أهمية المنطقة بصورة كبيرة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، إذ أصبح البحر الأحمر جزءاً من طريق بحري عالمي يربط أوروبا بآسيا بصورة أكثر مباشرة
ومنذ ذلك الوقت أصبح باب المندب يمثل البوابة الجنوبية لهذا الطريق, وفي ضوء ذلك يمكن القول بأن
أهمية قناة السويس جعلت البحر الأحمر مهماً، وأهميته جعلت باب المندب أكثر اهتمام
وبصورة أكبر في الحسابات الاستعمارية والاستراتيجية للقوى الكبرى حيث شهد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تنافساً أوروبياً واسعاً على الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي,
وكانت بريطانيا من أبرز القوى التي اهتمت بهذه المنطقة خصوصاً؛ بسبب مصالحها في الهند وطريق التجارة إليها ولذلك كان تأمين الطرق البحرية أحد أهم عناصر الاستراتيجية البريطانية
كما أدى الموقع الجغرافي لليمن وشرق أفريقيا إلى جعل المنطقة مرتبطة بمصالح القوى الدولية التي كانت تسعى إلى حماية طرق تجارتها ومواصلاتها البحرية حيث أصبح باب المندب جزءاً من منظومة استراتيجية أوسع تشمل(البحر الأحمر-خليج عدن-المحيط الهندي-قناة السويس-شرق افريقيا-شبه الجزيرة العربية).
ثانياً: باب المندب بعد الحرب العالمية الثانية وإلى يومنا هذا
بعد الحرب العالمية الثانية تغير شكل النظام الدولي، وظهرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بوصفهما القوتين الرئيسيتين في النظام الدولي
وأصبحت الممرات البحرية ذو أهمية أكبر بسبب ارتباطها بالتنافس بين القوتين العظميين وفي منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر، تداخلت اعتبارات الحرب الباردة مع الصراعات العربية والإقليمية، فأصبحت الموانئ والممرات البحرية عناصر مهمة في الحسابات العسكرية والسياسية وبذلك لم يعد باب المندب مجرد طريق للتجارة، كن الجديد في العصر الحديث هو أن ترابط الاقتصاد العالمي جعل تأثير أي أزمة بحرية أسرع وأكثر انتشاراً
ففي الماضي كانت الأزمة قد تؤثر في إقليم محدد، أما اليوم فقد تنتقل آثارها خلال فترة قصيرة إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة, وما كشفته أزمات الممرات البحرية بأن النظام الدولي الحديث أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على شبكات التجارة العالمية,
ولذلك فإن أي نقطة اختناق بحرية يمكن أن تمتلك تأثيراً يفوق حجمها الجغرافي بكثير.
ولم يكن المضيق عبر التاريخ مجرد ممر مائي، بل كان يشكل عنصر أساسي في الحسابات السياسية والأمنية للقوى الإقليمية والدولية ,وازدادت أهميته عندما أخذ يتحكم في إطار شبكة الممرات البحرية التي كانت تشغل حيز كبير من التجارة العالمية، فضلاً عن ارتباطه بقناة السويس من جهة، وبالمحيط الهندي من جهة أخرى. فأي اضطراب أمني في هذه المنطقة تترك انعكاساتها على طرق الملاحة وكلفة النقل، وأسعار التأمين والطاقة، لا سيما عن إعادة توجيه السفن نحو طرق أطول وأكثر كلفة وما شهده مضيق هرمز من أزمات وتوترات متكررة خير دليل على توتر العلاقات الدولية بين ايران والولايات المتحدة الأمريكية ؛ إذ إن كليهما يمثلان نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته بـ سياسة الممرات البحرية حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة من أدوات النفوذ والضغط السياسي وفي الحالتين، لا تقتصر أهمية المضيق على الدول المطلة عليه، وإنما تتجاوزها إلى القوى الكبرى التي ترتبط مصالحها بأمن الطاقة والتجارة الدولية وإن تكرار سيناريوهات التوتر في الممرات البحرية يكشف عن حقيقة في غاية الأهمية ، وهي أن الصراعات الحديثة لم تعد تعتمد على السيطرة على الأراضي وحدها، بل أصبحت السيطرة أو التأثير في الممرات الاستراتيجية جزءاً من الصراع على النفوذ ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الدولي المتزايد بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وحرص القوى الكبرى على حماية حركة السفن وتأمين طرق التجارة, كما أن موقع باب المندب يجعله مرتبطاً بصورة مباشرة بالتوازنات السياسية في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي لاسيما اليمن والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، والخليج العربي تشكل فضاءً جيوسياسياً متداخلاً بحيث أي أزمة في إحدى مناطقه تمتد آثارها إلى المناطق الأخرى.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي لهذه المسألة؛ فاضطراب الملاحة في باب المندب قد يؤدي إلى زيادة المسافات التي تقطعها السفن وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين والنقل، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار السلع والأسواق العالمية ولذلك فإن أمن المضيق لا يمثل قضية إقليمية فحسب، بل قضية ذات أبعاد اقتصادية دولية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن المقارنة بين باب المندب وهرمز تكشف تشابهاً في أهمية الموقع واستخدام الجغرافيا البحرية في إدارة الصراع مع اختلاف طبيعة كل مضيق والبيئة السياسية المحيطة به, فهرمز يرتبط بصورة أساسية بأمن الخليج وتدفقات الطاقة، بينما يرتبط باب المندب بصورة أكبر بأمن البحر الأحمر والتجارة بين آسيا وأوروبا واتصالها بقناة السويس لا يعني بالضرورة تطابق الأحداث وإنما يشير إلى تكرار نمط استراتيجي قائم على تحويل الممرات البجرية إلى سيناريو هرمز يتكرر في باب المندب , مما يجعله ساحة للصراع والضغط والتنافس الدولي وهذا الأمر يفرض على دول المنطقة البحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقراراً، بعيداً عن منطق التصعيد الذي يجعل الاقتصاد العالمي رهينة للتوترات السياسية القائمة في العالم.
ثالثاً: العلاقة بين باب المندب ومضيق هرمز
من هنا تظهر لنا الفكرة الأساسية في عنوان المقال: سيناريو هرمز يتكرر
إن مضيق هرمز يقع عند مدخل الخليج العربي، بينما يقع باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر
ورغم اختلاف الموقع والظروف السياسية، فإن هناك تشابهاً استراتيجياً واضحاً بينهما وهو مضيق هرمز
يرتبط بصورة أساسية بأمن الخليج العربي وتجارة الطاقة العالمية, بينما مضيق باب المندب
يرتبط بصورة أساسية بأمن البحر الأحمر والتجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، وبالطريق المؤدي إلى قناة السويس
وبالتالي فإن اضطراب أحدهما يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات دولية، وإن اختلفت حجم وطبيعة التأثيرات بينهما.
ومن أهم الأفكار التي يكشفها موضوع مضيق هرمز وباب المندب بأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى قوة سياسية
لاسيما الدولة أو الجماعة الموجودة بالقرب من ممر استراتيجي لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك قوة اقتصادية ضخمة حتى تستطيع التأثير في حركة الملاحة يكفي أحياناً أن تمتلك القدرة على تهديد أمن الممر أو رفع مستوى المخاطر فيه
ولذلك تظهر أهمية ما يسمى في الدراسات الاستراتيجية بـ الجغرافيا السياسية البحرية
حيث الممر البحري الضيق يمنح المنطقة المحيطة به قيمة تفوق مساحتها الجغرافية.
وتشابه بين المضيقين لا يعني أن الأحداث متطابقة، وإنما يعني وجود نمط استراتيجي متكرر
ففي كلا الحالتين نجد ممر بحري استراتيجي و صراع إقليمي و تنافس دولي فضلاً عن مخاوف دولية على الملاحة وتأثيرها الاقتصادي العالمي
وهذا هو جوهر فكرة المقال حول السيناريو المتكرر
فعندما يرتفع مستوى التوتر السياسي في منطقة استراتيجية، تتحول الملاحة البحرية بشكل تلقائي من قضية اقتصادية إلى قضية أمن قومي.
رابعاً: العامل اليمني والقرن الأفريقي في معادلة الأهمية الاقتصادية لباب المندب
لا يمكن فهم أهمية باب المندب من دون دراسة الموقع اليمني
فاليمن تشرف على جزء مهم من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، كما أن موقعها يجعله قريباً من خطوط الملاحة الدولية
وقد جعلت الأزمات السياسية والأمنية في اليمن خلال العقود الأخيرة المنطقة أكثر حساسية
ومع تصاعد الصراع اليمني، أصبح الأمن البحري في البحر الأحمر مرتبطاً بصورة متزايدة بالتطورات الداخلية والإقليمية
ووفقاً لذلك تحولت الأزمة اليمنية من قضية داخلية وإقليمية إلى قضية ذات أبعاد بحرية ودولية من كونه جزءاً من طريق بحري بالغ الأهمية بين آسيا وأوروبا
وعندما تكون الملاحة فيه مستقرة، باستطاعة السفن استخدام الطريق البحري المعتاد عبر البحر الأحمر وقناة السويس
وإن حدوث أي أزمة محلية في منطقة جغرافية محدودة يمكن أن تتحول إلى مشكلة اقتصادية دولية.
وكذلك لا يمكن فصل باب المندب بمعزل عن منطقة القرن الأفريقي
فأن جيبوتي تقع بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ولذلك اكتسبت أهمية استراتيجية كبيرة وأصبحت المنطقة المحيطة بها موضع اهتمام دولي مما أدى إلى
تشكل منطقة باب المندب نقطة التقاء بين
الشرق الأوسط و أفريقيا و المحيط الهندي ومن ثم أوروبا
وهذا ما جعلها منطقة ذات أهمية جيوسياسية استثنائية.
خامساً الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية
إذ تولي الولايات المتحدة والقوى الغربية اهتماماً كبيراً بأمن الممرات البحرية؛ لأن استقرار حركة التجارة العالمية جزء من المصالح الاقتصادية والأمنية الدولية , كما أن وجود قوى دولية في منطقة البحر الأحمر يرتبط بالرغبة في حماية الملاحة ومواجهة التهديدات البحرية، فضلاً عن الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي
وتزداد أهمية ذلك بشكل كبير بسبب عامل القرب للبحرالأحمر من مناطق استراتيجية أخرى مثل الخليج العربي والقرن الأفريقي مما جعل الجانب الأمريكي يصب جل اهتمامه في باب المندب ومن الناحية السياسية والاستراتيجية، فإن الرؤية الأمريكية عن غلق المضيق لا يعني بالضرورة وجود إغلاق مادي كامل, بل مجرد
ارتفاع مستوى الخطر إلى درجة تجعل شركات الملاحة تتجنب المنطقة يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مشابهة من الناحية الاقتصادية
وهنا تظهر أهمية التهديد بالممر وليس فقط السيطرة عليه
في زيادة المخاطر قد تكون كافية لتغيير حركة التجارة حتى من دون إغلاق المضيق بصورة رسمية
وهذه نقطة مهمة لفهم العلاقة بين الأمن والسياسة والاقتصاد.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية لمضيق باب المندب
يمكننا تصور أهم سيناريوهات المسقبلية وهي كالاتي:
1-سيناريو الاستقرار: العامل على تحقيق جانب الايجابي في المعادلة التفاوضية المستخدمة في السياسية الدولية عند اجتماع الأطراف المتنازعة كلا من الإقليمية والدولية في الوصول إلى نجاح التفاوض الذي بدوره يتمكن من خفض التوتر وتأمين الملاحة الدولية,
واستعادة حركة التجارة استقرارها، وتقليل تكاليف النقل والتأمين ولهذا يساعد على الحلول سياسية وأمنية إقليمية، وإلى تعاون دولي يضمن حرية الملاحة ويعالج جذور الأزمات التي تهددها.
2-السيناريو التوتر المحدود:
إذ ركز هذا السيناريو في استمرار المخاطر الأمنية دون الوصول إلى إغلاق كامل للمضيق
وهذا بدوره قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واستمرار حالة عدم اليقين الكامل في تحقيق الاستقرار وبقاء المنطقة على شفا النزاع الدولي.
3-السيناريو التصعيد الواسع:
وهو أكثرالسيناريوهات خطورة؛ لكونه يتسبب في استمرار التصعيد الذي يتسبب بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة و دفع أعداد كبيرة من السفن إلى تغيير طرقها
وفي هذه الحالة ستكون التداعيات الاقتصادية والسياسية والأمنية تتجاوز منطقة البحر الأحمر مما يخلق جانب الفوضى في حركة الملاحة الدولية.
وفي نهاية ختام المقال يسعنا القول بأن ظاهرة استراتيجية تتجاوز حدود المضيقين وهي في غاية الأهمية وهي توظيف الممرات البحرية الحيوية في الصراعات السياسية والأمنية
في باب المندب ليس مجرد ممر يفصل بين اليمن والقرن الأفريقي، وإنما يمثل حلقة استراتيجية في شبكة التجارة العالمية، ويرتبط بصورة مباشرة بالبحر الأحمر وقناة السويس والمحيط الهندي,
ومقارنة تشابه بينه وبين مضيق هرمز كشف مدى أهمية الموقع الجغرافي في صناعة القوة السياسية, وتحول الممرات البحرية الضيقة إلى أدوات ضغط عندما تتداخل فيها الصراعات الإقليمية مع المصالح الدولية,
وفق ارتباطه إلى حد كبير بمستقبل الصراع في اليمن، والتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، فضلاً عن طبيعة الدور الذي تؤديه القوى الدولية في حماية الملاحة البحرية,
والحقيقة المهمة التي تم وصولنا إليها ولا يمكن التغافل اتجاهها هي مضيق باب المندب لم يعد مجرد نقطة جغرافية على خريطة العالم، بل أصبح يشكل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي ومع استمرار التنافس على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر مما يؤدي إلى بقاء الممرات البحرية الاستراتيجية كأدوات مؤثرة في العلاقات الدولية ,ولذلك أن حماية حرية الملاحة لا تتطلب حلولاً عسكرية فقط، وإنما تحتاج إلى معالجة جذور الصراعات السياسية والأمنية التي تجعل هذه الممرات عرضة للتوتر ,وكلما ازدادت أهمية الممر البحري ازدادت قيمته السياسية والاستراتيجية، وأصبح أمنه مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الاقتصاد العالمي واستقرار النظام الدولي.
وعليه، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من المقال هو أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الاقتصادي والسياسي للنظام الدولي بأكمله. فإذا كان مضيق هرمز قد أثبت أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية، فإن باب المندب يثبت لنا حقيقة بالغة الخطورة، مفادها أن الموقع البحري الاستراتيجي يمكن أن يتحول هو الآخر إلى ورقة ضغط وقنبلة موقوتة تهدد التجارة العالمية في أي لحظة ومن ثم، فإن استمرار الصراعات والتنافس بين الأطراف حول هذه الممرات الحيوية، أو فقدان السيطرة عليها، لا يقتصر تأثيره على الدول المتنازعة فحسب، بل يمتد ليترك تداعيات مباشرة على حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل الوصول إلى حلول مستدامة أكثر صعوبة كلما تراجعت مستويات الأمن والاستقرار فيها.

