بقلم: رلى عبد القادر الذهبي
حين تصل الأمور إلى أن تقف أمّ أفنت عمرها في قاعات الدرس معلّمة، لتصرخ في وجه ابنتها محذّرة إياها من سلوك درب التدريس قائلة بصوت ملؤه القهر: “أشرف لك أن تفتحي محلاً تجارياً.. على الأقل ستخفقين مورداً لأهلك وضماناً لشيوختك، عكس المعلم يعلم أجيالاً وأجيالاً وفي النهاية ينتظر ماذا؟ لا شيء!”
وبكل أسف نحن أمام إعلان وفاة صريح لمنظومة قيم بأكملها. إنها صرخة تدوي في وجه مجتمع أدمن استنزاف عقول أبنائه وبناته، ثم يتركهم في خريف العمر على باصات الإحباط والاحتجاج.
الأم هنا لا تبالغ، بل تنطق بمرارة الحقيقة المطلقة التي يتشدق الجميع من الاعتراف بها: مهنة التعليم في أوطاننا تحولت إلى مصيدة تبتلع الشباب، وتنظمهم شيوخاً بلا حتى رمق من الأمان المادي.
ولكن يتكشف حجم الجريمة التي نرتكبها بحق معلمينا المتعاقدين، نتذكر الدكتور عبد المنعم تليمة أستاذ النقد الأدبي في جامعة القاهرة، حين عمل أستاذاً للغة العربية في اليابان أنه كان يتقاضى راتباً أعلى من راتب رئيس الوزراء الياباني، وعندما سأل قالوا له:
“إن درجتك العلمية أعلى من درجة رئيس الوزراء، وسنوات خبرتك أكثر منه، لذلك أيها المعلم تستحق راتباً أكثر من رئيس الوزراء الياباني.”
هذه البلاد تطورت، ووصلت لأعلى درجات التقدم لأنها آمنت أن المعلم يحمل مفتاح العلم، وهو من يقود الدولة.
أما عندنا، فالمعلم يوضع في القاع، يحارب في رزقه، ويترك لقمة سائغة للجوع والتهميش، حتى تصبح نصيحة الأم لابنتها بالهروب من التعليم – وخصوصاً التعاقد – طوق النجاة الوحيد.

