كلمة الإعلامية والشاعرة رانيا مرعي في ذكرى التوأمة بين «لقاء» و«مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي» في المجلس الثقافي البلدي في جبيل
أيها الحضور الكريم،
حين يكون لبنان في القلب، لا تُخيفنا المسافات، ولا تُسقطنا الحدود، ولا تنال منّا الغربة. وحين تكون الكلمة لبنانية، فإنها لا تُكتب بالحبر وحده، بل تُكتب بالوجع، وبالكرامة، وبذاكرة وطنٍ أبى أن يموت!
نحن اليوم لا نقف هنا لنحتفل بذكرى عابرة، ولا لنضيف مناسبةً جديدة إلى سجل المناسبات. نحن هنا لنرفع الصوت عاليًا، ونقولها من جبيل، من هذه المدينة التي علّمت العالم معنى الحرف:
لبنان ليس وطنًا نغادره… لبنان وطنٌ نحمله معنا أينما ذهبنا!
لبنان الذي حاولت الأزمات أن تكسره، فازداد صلابة. لبنان الذي مزّقت المسافات أبناءه، فجمعتهم الكلمة. لبنان الذي أرهقته الانقسامات، بقيت الثقافة فيه جسرًا لا يُهدم، وبقي الأدب نافذةً يدخل منها النور حين تضيق العتمة.
أيها الأحبة،
من هنا، من جبيل، ومن قلب هذا اللقاء، تمتد اليد إلى سيدني، وتمتد الكلمة من لبنان المقيم إلى لبنان المغترب، لتقول لكل من حمل الوطن في حقيبته، وفي قصيدته، وفي ذاكرته، وفي صوته:
أنت لم تغادر لبنان… لبنان هو الذي سافر معك!
وهذه التوأمة بين «لقاء» و «مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي» ليست توقيعًا على ورق، بل هي إعلانٌ ثقافي صريح بأن لبنان الذي نؤمن به أكبر من جغرافيته، وأقوى من أزماته، وأبقى من كل محاولات طمس هويته.
إنها توأمة بين قلبين، بين ضفتين، بين حبرين، وبين وطنٍ مقيم في الأرض ووطنٍ مقيم في الوجدان.
ترتدي كلمات اليوم حلّة العيد، لأننا لا نحتفي فقط بتوأمةٍ ثقافية، بل نحتفي بانتصار التواصل على الغياب، وانتصار المعرفة على الجهل، وانتصار الكلمة على الصمت.
طابت بي المقامات إليكم، لأحمل الكلمة في موكب النور، ولنحتفل معًا بهذا اللقاء الذي يجمعنا على حبٍّ مقدّس لوطنٍ لا يزال يسكننا، مهما ابتعدت بنا المسافات.
بين «لقاء» و«أفكار اغترابية»، تتشكّل ذاكرة جديدة، ذاكرة لا تستثني أحدًا ولا تلغي أحدًا، بل تقرّب ما فرّقته المسافات، وتهدم أسوار الغربة، وتفتح نوافذ التواصل بين لبنان المقيم ولبنان المغترب.
إنها توأمة المعرفة والإبداع، توأمة الأقلام النبيلة التي تغوص في عوالم الدهشة، وتتلاقى فيها الأفكار والأهداف، لتواجه واقعًا ضاق ذرعًا بسقطات المدّعين والمتطفّلين، وبكل من يحاول سرقة الضوء من أهله أو مصادرة الإبداع من أصحابه.
فالثقافة ليست ترفًا في زمن الانهيار، بل هي فعل مقاومة. والأدب ليس زينةً للكلام، بل ذاكرة وطن، وضمير شعب، وحصنٌ في وجه النسيان.
هي النخبة التي يحتاجها وطننا، نخبة تصنع الجسور ولا تبني الجدران. تبدأ الفكرة هنا، في لبنان، وتكتمل هناك، في سيدني ـ أستراليا. يكتبون فنقرأ، ونكتب فيطربون، وتتبادل الحروف بين ضفتين محمّلة بطيب المحبة وعبق الأرز.
ومن أجمل ما يمكن أن تمنحه الثقافة لنا أنها تجعل البعيد قريبًا، والغائب حاضرًا، والمغترب شريكًا في صناعة الذاكرة الوطنية.
دكتور جميل دويهي، أيها البعيد القريب،
لبنان الذي تحمله في وجدانك هو وطن كل مغترب اشتاقت روحه إلى مهدها، وكل لبناني أبعدته الجغرافيا ولم تستطع أن تبعده عن وطنه.
لقد كنتَ حاضنةً للكلمة ولأبناء الاغتراب، ومساحةً للقاء، وجسرًا بين أقلامٍ تفرّقتها القارات وجمعتها المحبة.
ومن هنا، لا بد أن نتوقف عند «جائزة أفكار اغترابية» للعام 2022، التي تشرفت بها، والتي لم تكن بالنسبة إليّ مجرد جائزة، بل كانت تكريمًا للكلمة، وللقلم، وللإبداع، وللإيمان بأن الثقافة تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه السياسة والجغرافيا: أن تجمع الناس حول قيمة مشتركة وذاكرة مشتركة وحلم مشترك.
أيها الحضور الكريم،
كم سيكتب التاريخ عن الذين ثبتوا في أبجدية الحقيقة، في زمن النسخ والسرقة، وفي زمن يحاول فيه البعض أن يستسهل مصادرة جهود الآخرين وسرقة أفكارهم وأصواتهم.
لكننا نؤمن أن الإبداع الأصيل لا يُسرق، لأن وراء كل فكرة روحًا، ووراء كل قصيدة تجربة، ووراء كل كلمة صادقة عمرًا من التعب والإيمان.
وفي جبيل، في هذه المدينة التي خرج منها الحرف إلى العالم، لنا أن نفخر بهذا الجمع المبارك، وأن نقولها بصوتٍ واضح:
لبنان باقٍ!
باقٍ لأننا نحمل مشاعل الأفكار النورانية، ولو كره المضلّلون.
باقٍ لأن في كل زمن حكايةً تضيء عتمة العقول.
باقٍ لأن في هذا الوطن من يؤمن بأن الكلمة قادرة على أن تعيد بناء ما هدمته الأزمات.
وليبقَ لبنان المقيم عانقًا لبنان المغترب، وليبقَ لبنان المغترب وفيًا للبنان الذي حمله في وجدانه.
وفي هذا الجنون الذي يحيط بنا، نختار أن نكون جسرًا لا جدارًا، نورًا لا عتمة، كلمةً لا صمتًا، ومحبةً لا انقسامًا.
نختار أن نكتب حين يريدون لنا أن نصمت، وأن نحلم حين يريدون لنا أن نيأس، وأن نمدّ أيدينا لبعضنا حين يريدون للمسافات أن تفصلنا.
فليسمعنا القريب والبعيد: ما دام في لبنان قلمٌ يكتب، وشاعرٌ يحلم، ومثقفٌ يقاوم، وإنسانٌ يؤمن بهذا الوطن… فإن لبنان باقٍ!
باقٍ بالكلمة.
باقٍ بالثقافة.
باقٍ بالمحبة.
وباقٍ في قلوب أبنائه، مقيمين ومغتربين.
شكرًا لهذا اللقاء الذي أدمنتُ هذا المنبر من خلاله، وشكرًا لكل يدٍ ساهمت في جمع هذه الأقلام والقلوب.
شكرًا دكتور جميل دويهي، وشكرًا لكل من آمن بأن التبادل الثقافي ليس ترفًا، بل هو ضرورة، وأن التفاعل الحضاري ليس شعارًا، بل مسؤولية.
عيدًا مباركًا، وإلى أعوامٍ طويلة من التبادل الثقافي، والتفاعل الحضاري، واللقاءات التي تصنع من المسافات جسورًا، ومن الغربة انتماءً، ومن الكلمة وطنًا.
وليبقَ اسم لبنان مخلّدًا في قلوب أبنائه،
وليبقَ لبنان مخلّدًا في ذاكرة العالم،
وطنًا لا ينحني، وحرفًا لا يموت، وضياءً لا تطفئه العتمة.
وشكرًا.

#image_title
