هناك صباحات لا تحتاج إلى منبّه.
يكفي أن تفتح عينيك، تمد يدك إلى فنجان القهوة، وتعرف أن أمامك خيارين: إما أن تفتح على السياسة، فتدخل إلى يومك محمّلًا بالتصريحات والاتهامات والفضائح والمناكفات، وكأن عليك أن تدفع ضريبة نفسية قبل أن تبدأ نهارك.
وإما أن تختار شيئًا آخر. أن تختار الحياة. ولهذا أفضل، في صباحاتي، أن أتابع «أحلى صباح» على تلفزيون لبنان.
ليس هروبًا من الواقع. بل رفضًا لأن يتحول الواقع إلى سمّ يومي. فقد مللنا من سياسة تقتحم البيوت قبل أن تستيقظ البيوت. مللنا من وجوه لا تعرف كيف تخاطب الناس إلا بلغة الأزمة، ومن شاشات تجعل الخلاف مادة، والقلق خبرًا، والانقسام بطولة.
الصباح، في رأيي، يستحق شيئًا أفضل. يستحق وجوهًا تدخل إلى بيتك من دون أن ترفع صوتها في وجهك. يستحق ضحكة. ومعلومة. وموسيقى. وحوارًا. وخبرًا لا يسرق منك يومك قبل أن يبدأ.
وهنا تأتي قيمة «أحلى صباح».
ليست المسألة برنامجًا… بل اختيارًا قد يبدو الأمر بسيطًا: برنامج صباحي، مذيعون، ضيوف وفقرات، لكنني أراه أبعد من ذلك، أراه اختيارًا.
اختيارًا لما نسمح له بأن يكون أول صوت يدخل إلى رؤوسنا في الصباح.
فالذي يبدأ يومه بالغضب، يحمل الغضب معه. والذي يبدأه بالخوف، يصعب عليه أن يتخلص من الخوف.
أما الذي يبدأه بشيء من الضوء، فربما يستطيع أن يواجه يومه بقدر أكبر من الاتزان. وهذا هو السبب الذي يجعلني أفضل مشاهدة هؤلاء الستة.
ليس لأنهم يملكون عصا سحرية تحل مشاكل لبنان. بل لأنهم، ولو لفترة، يعيدون إلى الشاشة وظيفتها الأجمل: أن تكون نافذة، لا جبهة قتال.
باتريسيا سماحة… حين يصبح الحضور لغة
باتريسيا سماحة لا تحتاج إلى استعراض حتى تقول إنها موجودة. وهذه ميزة نادرة في زمن أصبح فيه بعض الإعلاميين يعتقدون أن ارتفاع الصوت دليل قوة، وأن كثرة الحركة دليل حضور.
باتريسيا تقدم العكس. حضور محسوب. أناقة. ثقة. وقدرة على الإمساك بإيقاع الحلقة من دون أن تحوّل الشاشة إلى مسرح لشخص واحد. فيها شيء من الإعلام الذي نحترمه: الإعلام الذي يعرف أن المقدم ليس هو الخبر، بل هو الجسر الذي يصل الخبر والضيف والمشاهد.
ولهذا تبدو في «أحلى صباح» كأنها تعرف تمامًا وظيفة الصباح: أن يكون لطيفًا، من دون أن يكون سطحيًا.
نانسي شحادة… الوجه الذي يوقظ الشاشة
نانسي شحادة تأتي من جهة أخرى. فيها طاقة الصباح. لا تبدو كأنها جاءت لتقرأ برنامجًا مكتوبًا، بل كأنها جاءت لتفتح نافذة. وهذا فرق كبير.
المشاهد الصباحي لا يريد أن يشعر أنه في امتحان إعلامي. يريد أن يشعر أن هناك حياة على الطرف الآخر من الشاشة. وهنا تكمن جاذبية نانسي. عفويتها، حيويتها، وسرعة تفاعلها تجعل وجودها جزءًا من حركة البرنامج، لا مجرد تقديم للفقرات.
هي من الوجوه التي تستطيع أن تمنح الصباح نبضه. والصباح بلا نبض ليس صباحًا.
بيا مخول… أناقة الفكرة قبل أناقة الصورة
بيا مخول تمثل جانبًا آخر من المعادلة. ففي حضورها هدوء لا يعني البرود، وأناقة لا تتحول إلى استعراض.
الأهم أنها تمنح المشاهد إحساسًا بأن البرنامج يستطيع أن يكون راقيًا من دون أن يصبح متعاليًا. وهذا أمر نفتقده كثيرًا في الإعلام. فالثقافة ليست كلمات كبيرة. والرقي ليس تكلفًا. والذكاء لا يحتاج إلى إعلان. بيا تترك هذه الأشياء تظهر في طريقة حضورها وتفاعلها. وفي برنامج صباحي مزدحم بالتنوع، يصبح هذا اللون الهادئ ضروريًا. لأن الحياة نفسها ليست صوتًا واحدًا.
أنطوانيت علوان… حين يكون الهدوء أقوى من الصخب
أنطوانيت علوان لا تدخل إلى الشاشة بعاصفة. وهذا بالضبط ما يعجبني. في زمن الصراخ التلفزيوني، يصبح الهدوء نوعًا من القوة. وفي زمن المبالغة، تصبح البساطة امتيازًا.
أنطوانيت تملك ذلك النوع من الحضور الذي لا يطلب منك أن تنتبه إليه بالقوة، بل يجعلك تنتبه إليه مع الوقت. وجه مألوف. صوت مريح. وحضور فيه رهافة.
وهي عناصر قد تبدو بسيطة، لكنها في البرامج الصباحية هي جوهر اللعبة. لأن المشاهد يريد أن يشعر أن من أمامه ليس بعيدًا عنه. بل قريب منه.
جوزيف إبراهيم… الإعلام عندما يقترب من الناس
جوزيف إبراهيم لديه طاقة مختلفة. أكثر مباشرة. أكثر التصاقًا بالناس. وفي حضوره مساحة من العفوية تجعل الحوار أقرب إلى الحياة اليومية منه إلى الاستديو التقليدي. وهذا مهم. لأن التلفزيون الذي ينسى الناس يفقد روحه.
المشاهد لا يريد دائمًا أن يسمع شخصًا يتحدث إليه من فوق. يريد شخصًا يفهمه. يسأله. يقترب من قضاياه. ويعرف أن وراء كل عنوان إنسانًا. وهنا أجد جوزيف في مكانه الطبيعي.
بشارة مارون… حين يكون للصباح ضحكته
أما بشارة مارون، فهو من أولئك الذين يعرفون أن الصباح لا يحتمل العبوس. فيه خفة. وفيه شخصية. وفيه قدرة على إعطاء البرنامج مساحة تنفس. وهذه ليست تفصيلة ثانوية. فالناس تعيش أصلًا وسط ما يكفي من الضغوط. فاتورة. غلاء. أزمة. قلق. سياسة. أخبار ثقيلة.
فإذا دخلت إلى التلفزيون صباحًا، لماذا يجب أن يكون أول ما تحصل عليه جرعة جديدة من الكآبة؟ بشارة يضيف إلى المعادلة شيئًا نحتاجه بشدة: أن نبتسم من دون أن نشعر بالذنب.
لماذا هؤلاء تحديدًا؟
لأن اجتماعهم لا يصنع نسخة واحدة من الإعلام.
بل يصنع لوحة.
باتريسيا تمنحك الاتزان.
نانسي تمنحك الحيوية.
بيا تمنحك الرقي.
أنطوانيت تمنحك الهدوء.
جوزيف يمنحك القرب.
وبشارة يمنحك الابتسامة.
وهذه، في النهاية، هي الحياة.
ليست كلها خبرًا عاجلًا.
وليست كلها مؤتمرًا صحافيًا.
وليست كلها سجالًا سياسيًا.
# دعوا السياسة تنتظر قليلًا
لا أقول إن السياسة غير مهمة.
على العكس.
السياسة جزء من حياتنا، وعلينا أن نعرف ما يحدث حولنا.
لكنني أرفض أن تكون السياسة أول شيء يدخل إلى روحي كل صباح.
هناك فرق بين أن تعرف ما يحدث، وبين أن تسمح لما يحدث بأن يفسد عليك يومك.
وهناك فرق بين متابعة الأخبار، وبين العيش داخل الأخبار.
لقد أصبحت السياسة عندنا ماكينة هائلة لإنتاج الغضب.
كل تصريح يولّد تصريحًا.
كل اتهام يستدعي اتهامًا.
كل مشكلة تفتح عشر مشكلات.
وفي النهاية، ماذا يبقى للمواطن؟
صداع.
وتوتر.
وإحساس دائم بأن البلاد على حافة شيء ما.
ثم يأتي الصباح التالي…
فنعود إلى الدائرة نفسها.
لهذا أختار أن أبدأ نهاري بطريقة مختلفة.
أشاهد «أحلى صباح».
أترك السياسة إلى وقت آخر.
أترك السياسيين يتشاجرون قليلًا من دوني.
وأمنح نفسي فرصة لأرى شيئًا آخر.
أرى لبنان الذي لا يظهر كثيرًا في نشرات الأخبار.
لبنان الناس.
لبنان الفن.
لبنان الثقافة.
لبنان الموسيقى.
لبنان الحكايات الصغيرة.
لبنان الذي ما زال يضحك رغم كل شيء.
تلفزيون لبنان… الشاشة التي تستعيد شيئًا من روحها
ولعل أجمل ما في الأمر أن «أحلى صباح» يُعرض على تلفزيون لبنان.
هذه المؤسسة ليست مجرد قناة.
إنها ذاكرة أجيال.
مرت عليها عقود من الحكايات والوجوه والأصوات.
وفي زمن تتسابق فيه الشاشات على الإثارة، يبقى لتلفزيون لبنان شيء من الحنين.
شيء من البيت.
شيء من لبنان القديم الذي لم يكن يحتاج إلى الصراخ حتى يصل إلى الناس.
ومن هنا يصبح وجود برنامج صباحي بهذا التنوع أكثر من مجرد فقرة في جدول البث.
إنه تذكير بأن الشاشة الرسمية تستطيع أن تكون قريبة.
وأن الإعلام يستطيع أن يكون إنسانيًا.
وأن التلفزيون ليس مضطرًا دائمًا إلى إشعال الحرائق كي يجذب المشاهد.
صباحي يبدأ بهم
لذلك، نعم، أفضل أن أبدأ صباحي بمشاهدة باتريسيا سماحة، نانسي شحادة، بيا مخول، أنطوانيت علوان، جوزيف إبراهيم وبشارة مارون.
أفضل أن أسمع صوتًا يقول «صباح الخير» بدل أن أسمع تصريحًا يرفع الضغط.
أفضل أن أبدأ يومي بابتسامة بدل عنوان عاجل.
أفضل أن أرى حوارًا بدل مشاجرة.
أفضل أن أكتشف قصة جميلة بدل فضيحة جديدة.
وبعدها، عندما أكون قد شربت قهوتي، واستعدت هدوئي، يمكنني أن أذهب إلى السياسة.
لكن ليس قبل أن أعيش صباحي.
لأن الصباح ليس ملكًا للسياسيين.
الصباح لنا.
للمشاهد.
للقهوة.
للضوء.
للحياة.
ولـ«أحلى صباح» الذي يذكّرنا، ولو لساعات قليلة، بأن لبنان ليس فقط ما تقوله نشرات الأخبار.
لبنان أيضًا ما نراه حين نختار أن نرفع أعيننا عن السياسة… وننظر إلى الحياة.
