في يوم ميلادكِ د.سامية فطوم، لا تمرُّ ساعةٌ عابرة في تقويم الزمن، بل يقف التاريخ لحظةَ إجلال، ويخلع الصمتُ عباءته ليُصغي إلى حكاية امرأةٍ اختارت أن تجعل من الفكر مشعلًا، ومن الكلمة وطنًا، ومن العطاء طريقًا لا ينتهي.
فبعضُ الناس يولدون مرةً واحدة، وبعضُهم يولدون في كل مرة يتركون فيها أثراً في قلب إنسان، أو يضيئون درباً لعابر، أو يمنحون للحياة معنى جديداً. وأنتِ من أولئك الذين لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بعدد الأحلام التي احتضنوها، وعدد الأرواح التي لامستها كلماتهم، وعدد المرات التي انتصر فيها النور على العتمة بحضورهم.
اليوم لا تحتفل امرأة بعيد ميلادها فحسب، بل يحتفل الزمن نفسه بمرور قامةٍ رفضت أن تكون رقماً في سجل الأعوام، واختارت أن تكون أثراً لا تمحوه الرياح.
ليس العمر ما يُحصى بالسنين، بل بما أشعلته في العقول من أسئلة، وما زرعته في الأرواح من يقين، وما تركته الكلمات من صدى يتردد في ذاكرة الأيام.
يا ابنة الحرف والفكرة…
ما كنتِ يوماً صفحةً عابرة في كتاب الحياة، بل كنتِ كتاباً تمشي صفحاته بين الناس؛ تحملين في صوتك صدى الحضارات، وفي قلمك نبض الأسئلة الكبرى، وفي مسيرتك إيماناً راسخاً بأن الإنسان لا يُخلَّد بما يملك، بل بما يمنح.
أنتِ من أولئك الذين إذا مرّوا تركوا خلفهم ضوءاً لا غباراً، وإذا تحدثوا ارتفع الحرف حتى صار راية، وإذا كتبوا صار المداد وعداً بأن الفكر قادر دائماً على هزيمة الصمت.
في عيدك، لا نعدُّ الشموع، فبعض الأرواح لا تُطفئها السنوات، بل تزيدها اشتعالاً. أنتِ شمعةٌ اختارت أن تكون شمساً، وقصيدةٌ رفضت أن تنتهي عند آخر بيت، ونخلةٌ تضرب جذورها في أرض المعنى وترفع أغصانها نحو سماء الحكمة.
سلامٌ عليكِ يوم حملتِ القلم رسالة، ويوم جعلتِ من المعرفة جسراً بين الإنسان وذاته، ويوم اخترتِ أن يكون حضورك صوتاً للوعي في زمنٍ يعلو فيه الضجيج.
في عيد ميلادك، لا نرفع نخب السنوات، بل نرفع راية الإرادة؛ نحتفل بامرأةٍ تعرف أن الطريق إلى القمم لا يُفرش بالورود، بل يُشقّ بالصبر، وأن المجد لا يُهدى، بل يُبنى بالإصرار والعزيمة.
فلتشهد السماء…
أن هناك أعماراً تمر كالسحاب، وأعماراً تبقى كالشمس.
هناك أسماء تُكتب بالحبر، وأسماء تُنقش في الذاكرة.
هناك نساء يعبرن الحياة، وهناك نساء تعبر الحياة من خلالهن.
ليست العظمة أن يعبر الإنسان الزمن، بل أن يترك الزمن بعده أثراً من نور. وليس المجد تاجاً يُلبس، بل ناراً مقدسة يحملها أصحاب الرسالات في قلوبهم ولا يخشون وهجها.
فافرحي بيومكِ يا سامية، فإن الأعوام اليوم لا تحتفل بكِ فقط، بل تحتفل بما صنعتِه فيها، وبكل فكرةٍ أطلقتِها، وكل أثرٍ تركتِه، وكل نورٍ أشعلتِه في طريق الآخرين.
كل عام وأنتِ أكثر حضوراً من الغياب، أكثر قوةً من الريح، وأكثر إشراقاً من الفجر حين يولد.
كل عام وأنتِ القصيدة التي لم يجد الشعراء نهايتها، والحكاية التي ما زالت الأيام تكتب فصولها، والاسم الذي كلما مرّ على ذاكرة الزمن… انحنى له الضوء احتراماً.
عيد ميلاد سعيد يا سامية… يا امرأةً من فكرةٍ ونار، من حلمٍ وإصرار، من نورٍ لا يعرف الأفول.
