عروبة الإخباري – كتب طلال السكر –
لم أكن أود أن أكتب عن سلطان الحطاب بصيغة الماضي، فبعض الرجال أكبر من أن تُختصر حياتهم بكلمة “رحلوا”، وبعض الأقلام لا تتوقف عن الكتابة حتى بعد أن تغيب اليد التي أمسكت بها.
فالكبار لا يغادرون تماماً، لأن ما يتركونه من أثر يبقى حاضراً في الذاكرة، شاهداً على حضورهم وعطائهم.
سلطان الحطاب كان واحداً من أولئك الذين لم يكونوا مجرد عابرين في مهنة الصحافة، بل كانوا جزءاً من روحها ووجدانها. كان صحفياً حمل القلم كما يحمل الفارس سيفه؛ مؤمناً بأن الكلمة مسؤولية، وأن الصحافة موقف، وأن الكاتب الحقيقي لا يمرّ على زمنه مروراً عابراً، بل يترك فيه علامة لا تُمحى.
منذ عرفتك، كنت صاحب قلم يعرف طريقه إلى الفكرة، وصوتاً هادئاً لكنه عميق الأثر. كان يكتب كما لو أنه يتحاور مع القارئ وجهاً لوجه؛ لا يكتفي بأن يخبره بما حدث، بل يأخذه إلى ما وراء الحدث، إلى المعنى والسياق والأسئلة الكبرى التي تستحق أن تُطرح. كان قادراً على تحويل التفاصيل العابرة إلى قضايا تحمل أبعاداً إنسانية ووطنية وتاريخية.
كان سلطان معلماً قبل أن يكون كاتباً، ومدرسة صحفية قبل أن يكون صاحب عمود أو مقال. تعلمنا منه أن الصحافة ليست سباقاً خلف الخبر فقط، بل مسؤولية تجاه الحقيقة، وأن المقال ليس كلمات مرصوفة، بل موقف يحمل صاحبه أمانة أمام الناس والتاريخ. كان يؤمن بأن الكاتب الحقيقي لا يعيش لنفسه، وإنما يترك شيئاً من روحه في كل سطر يكتبه.
في حضرته كان القلم مدرسة، وكانت التجربة كتاباً مفتوحاً. من اقترب منه أدرك أن الصحفي لا تصنعه الشهرة ولا المنصب، بل تصنعه المعرفة، والقراءة، والقدرة على الإصغاء للناس ولنبض الوطن. كان يعرف أن الصحفي الذي لا يقرأ التاريخ لا يستطيع أن يفسر الحاضر، وأن الكاتب الذي لا يشعر بالناس لا يستطيع أن يكتب عنهم.
لقد كان قلمه شاهداً على مراحل مهمة من تاريخ الأردن والمنطقة، يقترب من القضايا الكبرى بعين الباحث، ومن هموم الناس بقلب الإنسان. لم يكن يبحث عن التصفيق، ولم يكن أسير موجة عابرة؛ كان يكتب لأن لديه ما يقوله، ولأنه رأى في الكتابة واجباً أخلاقياً قبل أن تكون حضوراً مهنياً.
في بلاط الصحافة كان “أبو تمام” صاحب هيبة خاصة. لم يكن زملاؤه يرون فيه منافساً فقط، بل رأوا فيه مرجعاً وخبرة وتجربة. والأجيال التي جاءت بعده وجدت في مسيرته درساً في الصبر والبحث والانحياز إلى الكلمة المسؤولة. كان من الصحفيين الذين أثبتوا أن الصحافة لا تُقاس بكثرة الظهور، بل بعمق التأثير.
وكانت علاقته بالوطن علاقة الكاتب الذي يحفظ الذاكرة. أحب المدن الأردنية وقرأ تفاصيلها، ورأى في شوارعها وأهلها وتاريخها قصصاً تستحق أن تُروى. لم يكن المكان عنده مجرد جغرافيا، بل كان روحاً وهوية وسيرة إنسانية. لذلك جاءت كتاباته حاملة رائحة الأرض وذاكرة الناس، ومعبّرة عن ارتباط عميق بالمكان والإنسان.
لقد فقدت الصحافة الأردنية برحيله زميلاً وأستاذاً، وفقد كثير من الصحفيين معلماً ترك أثراً لا يُمحى. فقدت الكلمة فارساً من فرسانها، وفقد القارئ صوتاً كان يعرف كيف يفتح النوافذ على الأسئلة والمعاني. لكن عزاءنا أن سلطان الحطاب لم يرحل تماماً؛ فما زالت مقالاته حاضرة، وما زالت أفكاره تفتح أبواب النقاش، وما زالت كلماته تذكّرنا بأن الصحافة حين تُكتب بصدق تصبح جزءاً من ذاكرة الأمة.
وكان لفلسطين في قلب سلطان الحطاب مكانة خاصة لا تشبهها مكانة أخرى. فقد حمل قضيتها في وجدانه وقلمه، وكتب عنها باعتبارها قضية أرض وشعب وذاكرة عربية وإنسانية. لم تكن فلسطين عنده خبراً عابراً في نشرات الأخبار، بل كانت جرحاً حاضراً وهاجساً دائماً، يدافع عنها بالكلمة والموقف، ويؤكد حق شعبها في الحرية والكرامة والعيش على أرضه. كان يرى فلسطين كل فلسطين، من النهر إلى البحر، حاضرة في الضمير العربي، وظل وفياً لقناعته بأن القضايا الكبرى لا تموت ما دام هناك من يحملها في القلب ويصونها بالكلمة. لذلك جاءت كتاباته عنها امتداداً لإيمانه بالحق والعدالة، وجزءاً من مشروعه الصحفي الذي انحاز دائماً إلى قضايا الإنسان والوطن.
يا سلطان… سنفتقد حديثك، وحضورك، ونبرة قلمك التي كانت تحمل مزيجاً نادراً من المعرفة والانتماء. سنفتقد ذلك الصحفي الذي كان يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الوطن قصة تستحق أن تُروى، وفي التاريخ ذاكرة يجب ألا تضيع.
يا أبا تمام، أيها المعلم الذي ترك لتلاميذه يحملون من نوره، لقد تركت خلفك ما لا يتركه إلا أصحاب الرسالات: أثراً طيباً، وتجربة ثرية، وأجيالاً تعلمت منك أن القلم أمانة، وأن الصحافة شرف قبل أن تكون مهنة.
لكن الكبار لا يُقاسون بحياتهم فقط، بل بما يبقى بعد رحيلهم. وأنت تركت إرثاً من المقالات والكتب والمواقف والذكريات، تركت اسماً مرتبطاً بمرحلة مشرقة من الصحافة الأردنية، وتركت كلمات ستظل شاهدة على عقل واسع، وقلب حاضر، وقلم لم يعرف إلا الانحياز للحقيقة والوطن.
رحم الله سلطان الحطاب؛ الرجل الذي لم يكتب عن الوطن فقط، بل كتب من داخله.
رحم الله الصحفي الذي جعل من الحرف موقفاً، ومن المقال ذاكرة، ومن الصحافة رسالة.
سلام عليك يوم رحلت، وسلام عليك يوم تبقى كلماتك حاضرة بيننا.
