بعد أشهر طويلة من المفاوضات الشاقة بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركية ورعاية دولية، انتقلت الأزمة إلى مرحلة مختلفة بالكامل. انتهى زمن البيانات الدبلوماسية، وبدأ زمن الوقائع الميدانية. الخرائط حلّت مكان التصريحات، وخطط الانتشار والانسحاب أصبحت المعيار الوحيد لقياس جدية الأطراف.
لهذا السبب، لا تبدو جولة روما اجتماعًا عاديًا، بل لحظة مفصلية قد ترسم مستقبل الجنوب اللبناني لسنوات طويلة. فإما أن يتحول اتفاق وقف إطلاق النار إلى واقع مستدام، وإما أن يسقط عند أول اختبار، لتعود المنطقة إلى دوامة التصعيد التي لم تغادرها منذ عقود.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول لافت داخل الدولة اللبنانية. للمرة الأولى منذ سنوات، تستعيد المؤسسات الرسمية زمام المبادرة في ملفات كانت تُدار خارج القرار الرسمي. الجنوب، والعلاقة مع واشنطن، والانفتاح على أوروبا والعالم العربي، كلها ملفات تتحرك في توقيت واحد، بما يوحي بأن لبنان أمام فرصة نادرة لإعادة بناء موقعه الإقليمي، إذا أحسن استثمارها.
من هنا، لا يمكن التعامل مع الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى البيت الأبيض باعتبارها محطة بروتوكولية. فالزيارة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، فيما تعيد الإدارة الأميركية ترتيب أولوياتها في المنطقة، وتسعى إلى تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية الإسرائيلية كجزء من رؤية أوسع لأمن الشرق الأوسط.
وإذا نجحت الزيارة في انتزاع دعم سياسي وأمني واقتصادي واضح، فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية الأميركية، عنوانها دعم الدولة ومؤسساتها، لا إدارة الأزمات فقط.
في الوقت نفسه، تتحرك أوروبا بخطوات متسارعة. فالعواصم الأوروبية باتت تدرك أن استقرار لبنان لم يعد قضية إنسانية أو مالية فحسب، بل تحول إلى مصلحة أمنية مباشرة. لذلك، تبدو باريس وروما وبرلين أكثر استعدادًا للانخراط في حماية الاستقرار، سواء عبر دعم الجيش اللبناني أو تعزيز دور قوات “اليونيفيل”، أو الدفع نحو مشاريع إنقاذ اقتصادي تعيد للدولة جزءًا من قدرتها على الصمود.
لكن، ورغم هذا الزخم الدولي، فإن الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. المجتمع الدولي مستعد للمساعدة، لكنه لم يعد مستعدًا لتمويل الأزمات أو تدويرها. الرسالة واضحة: الدعم سيكون مقابل الإصلاح، والاستقرار مقابل التزام الدولة بتطبيق تعهداتها.
أما جولة روما، فلن تكون مجرد محطة تفاوضية جديدة، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة لبنان على الانتقال من دولة تتلقى المبادرات إلى دولة تصنع خياراتها. فالقرارات التي ستتخذ في الأيام المقبلة قد لا تحدد فقط مستقبل الجنوب، بل قد ترسم ملامح لبنان الجديد، إن امتلك مسؤولوه الجرأة على اغتنام اللحظة قبل أن تضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.
