أثار الظهور الأخير للفنان وائل كفوري بوزن أقل بكثير من المعتاد موجة واسعة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي. اللافت أن أغلب هذه التعليقات لم تركز على شكله بقدر ما ركزت على صحته، إذ سارع كثيرون إلى التعبير عن قلقهم وتمنوا له الصحة والعافية، راجين ألا يكون فقدانه الملحوظ للوزن نتيجة مرض أو أزمة صحية. البعض افترض أنه مجرد تغيير في نمط الحياة أو “لوك” جديد اختاره الفنان بإرادته.
في المقابل لم يتوقف كثيرون عند التغيرات التي طرأت على ملامح وجهه. فالنحافة الشديدة جعلت التجاعيد أكثر وضوحا، وأبرزت آثار التقدم في العمر بصورة أكبر. اختفت امتلاءة الخدين التي كانت تمنح الوجه مظهرا أكثر شبابا، وبدا وجهه أكثر نحولا وحِدّة. ومع ذلك، لم يتحول هذا الأمر إلى مادة للسخرية أو الانتقاد، ولم تنطلق حملات تنصحه بإخفاء تجاعيده أو اللجوء إلى الإجراءات التجميلية.
لكن ماذا لو كانت امرأة هي من ظهرت بالشكل نفسه؟

#image_title
ماذا لو كانت فنانة أو شخصية عامة في الخمسين من عمرها، وهو العمر نفسه تقريبا الذي يبلغه وائل كفوري، وقررت أن تخسر وزنا كبيرا دون أن تخضع لحقن الفيلر أو البوتوكس أو أي إجراءات تجميلية تهدف إلى إخفاء آثار الزمن عن وجهها؟
من السهل توقع ما كان سيحدث. كانت التعليقات ستنهال عليها مطالبة إياها بالاهتمام بنفسها، قد يقول لها البعض صراحة “عجزتي يا تيتة“، كانت تجاعيدها ستتحول إلى محور النقاش بدل الاهتمام بما أنجزته في مسعاها لخسارة الوزن أو الحفاظ على صحتها. سيعتبر البعض أن مظهرها أصبح بشعا أو أكبر من عمرها، سيتطوع آخرون لتقديم نصائح مجانية حول أفضل العيادات والأطباء والحقن التجميلية القادرة على إعادة شباب وجهها.
هذه المفارقة تكشف عن معيار مزدوج لا يزال حاضرا بقوة في مجتمعاتنا. فالرجال يُسمح لهم بالتقدم في العمر بصورة طبيعية، بل إن علامات العمر لديهم كثيرا ما تُقدَّم على أنها مصدر وقار أو جاذبية أو خبرة. الشعر الأبيض قد يصبح رمزا للكاريزما، والتجاعيد قد تُفسَّر باعتبارها دليلا على النضج، أما النساء فصار يمارس عليهن ضغط شديد ويُطلب منهن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن يخضن معركة دائمة ضد الزمن، وكأن الشيخوخة حدث يخصهن وحدهن وتجب مقاومته بكل الوسائل.
كل الجهات تعلم المرأة محاربة الزمن منذ نعومة أظافرها بدءا بالأفكار المتوارثة عن ضرورة زواجها في سن مبكرة وصولا إلى شركات مستحضرات التجميل والأطباء وغيرهم.
تكمن المشكلة في أن هذه النظرة لا تفرض فقط معايير جمالية غير واقعية، بل تضع النساء تحت ضغط نفسي مستمر، فبدلا من النظر إلى الوجه باعتباره سجلا طبيعيا لتجارب الحياة وأعوامها، يتحول إلى مشروع دائم للتعديل والإصلاح والإخفاء. وكلما تقدمت المرأة في العمر، ازدادت التوقعات الاجتماعية التي تطالبها بالظهور أصغر سنا مما هي عليه فعلا.
والحقيقة أن التجاعيد جزء طبيعي من رحلة الإنسان، تظهر على وجوه الرجال والنساء على حد سواء. وما نعتبره مقبولا أو حتى جذابا عند الرجل، ينبغي ألا يتحول إلى وصمة عندما يظهر عند المرأة.
ربما لا تكمن القضية في وجه وائل كفوري أو في مظهر أي فنان أو فنانة بعينها، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى العمر نفسه، والطريقة التي نفرض بها آراءنا على أجساد الآخرين. مرحلة الشيخوخة ليست عيبا يحتاج الإنسان إلى إخفائه، ولا ينبغي أن تكون حكما مختلفا بحسب جنس صاحبه. إنها تجربة إنسانية مشتركة، والعدالة تقتضي أن نتعامل معها بالمنطق نفسه، سواء ظهرت على وجه رجل أو امرأة.
وائل كفوري يظل وائل كفوري، بوزن زائد أم بنحافة شديدة، له حرية اختيار شكله، لكن الشهرة سلاح ذو حدين، مثلما قد تجلب المحبين للشكل قد تكشف الكثير من المعايير المتناقضة للجمال التي تتبناها المجتمعات.
