في لحظات التحوّل الحاسمة، لا تُقاس قيمة المؤتمرات السياسية بعدد المشاركين أو الشعارات المرفوعة، بل بقدرتها على إحداث مراجعة حقيقية في البنية الفكرية والتنظيمية. ومن هذا المنطلق، يبرز “المؤتمر الثامن لحركة فتح” كاختبارٍ مفصليّ يتجاوز كونه استحقاقًا داخليًا، ليصبح رهانًا على مستقبل الحركة ودورها في المشروع الوطني الفلسطيني. وفي هذا السياق، يأتي مقال الدكتورة هبة بيضون ليعكس حضورًا قويًا في الكتابة السياسية، يجمع بين وضوح الرؤية وجرأة الطرح، ويضع الإصبع على جوهر الأزمة عبر خطاب نقدي إصلاحي متماسك.
يمثّل مقالها نموذجًا لافتًا في الكتابة التي لا تكتفي بوصف الحدث، بل تعيد قراءته بوصفه لحظة مساءلة شاملة لمسار الحركة. فهي تنظر إلى المؤتمر باعتباره فرصة لإعادة صياغة الدور التنظيمي والسياسي لفتح، بما يعيد الاعتبار لمبادئها التأسيسية ويعزز مكانتها في المشروع الوطني الفلسطيني. ومن هنا، تنطلق في تحديد رهانات واضحة تتعلق بضرورة إفراز قيادة جديدة تمتلك رؤية، وكفاءة، ونزاهة، وتبتعد عن المحسوبية والجمود.
وتبرز قوة حضور بيضون في قدرتها على تحويل النص إلى مساحة تفكير نقدي، حيث تربط بين تجديد القيادة وضخ دماء الشباب، وبين ضرورة الالتزام بالوحدة الوطنية والحوار الفعّال. كما تذهب أبعد من ذلك حين تؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب قيادات قادرة على إدارة ملفات معقدة داخليًا وخارجيًا، وعلى إعادة بناء الثقة مع الجماهير والكوادر، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لاستعادة الحيوية التنظيمية.
وفي الوقت نفسه، لا تتردد في طرح موقف واضح تجاه القيادات التي لم تعد قادرة على التفاعل مع الشارع أو أداء دورها، معتبرة أن إعادة إنتاج الفشل يكرّس الجمود ويقوّض المشروع الوطني. هذا الطرح يعكس نزعة إصلاحية جريئة، تُحمّل المؤتمر مسؤولية الفرز الحقيقي بين من يملك الأهلية للاستمرار ومن استنفد دوره.
إن أسلوب بيضون يتميز بالتماسك والوضوح، مع نبرة خطابية محسوبة تمنح النص حضورًا وتأثيرًا، دون أن يفقده طابعه التحليلي. فهي توازن بين الموقف والرؤية، وبين النقد والتوجيه، ما يجعل كتابتها أقرب إلى دعوة واعية لإعادة الاعتبار للمعايير الوطنية والتنظيمية في آنٍ واحد.
وبذلك، لا يقتصر مقالها على قراءة واقع داخلي لحركة فتح، بل يتحول إلى خطاب أوسع حول معنى القيادة ومسؤولية الاختيار، حيث يصبح المؤتمر لحظة فاصلة: إما تجديد يعزز الدور الريادي للحركة، أو استمرار في حالة التراجع.
