عروبة الإخباري –
حين تتكلم الأوطان بلسان التاريخ، وتصوغ انتصاراتها بحروفٍ من نور، تقف الكلمات مهيبةً أمام عظمة الحكاية… حكاية وطنٍ لم يعرف الانكسار، ولم يُسلّم رايته يومًا لريح الهزيمة. في أعياد تحرير سيناء، لا نحتفي بذكرى عابرة، بل نستدعي ملحمةً متكاملة، اختلط فيها الدم بالعزيمة، والسلاح بالإرادة، حتى عاد الحق إلى أصحابه، وعادت الأرض إلى حضن الوطن شامخةً كما كانت دائمًا.
في هذا السياق المهيب، يأتي مقال الدكتورة عبير العربي «سيناء العائدة: حكاية وطن لم يعرف الانكسار» ليُعيد صياغة الوجدان الوطني بلغةٍ تليق بعظمة الحدث، ويمنح الذاكرة صوتًا جديدًا، نابضًا بنشوة النصر، ومضيئًا ببصيرة التاريخ. إنه نص لا يكتفي بأن يروي، بل يُحيي، ولا يمر على الأحداث، بل يُقيم فيها، مستدعيًا روح حرب أكتوبر 1973 بكل ما حملته من كبرياء العبور، ومجد الاسترداد، وإرادةٍ صنعت من المستحيل واقعًا يُروى للأجيال.
وفي مقالها الآسر، ترتقي الدكتورة عبير العربي بالكتابة من حدود التوثيق إلى آفاق التمجيد الواعي، فتُقدّم نصًا نابضًا بنشوة النصر المؤزر، ومشبعًا بروح وطنٍ لا يعرف السقوط، بل يعيد تعريف الوقوف كلما حاولت العواصف أن تنال منه.
في مقالها، لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش… إذ تأخذنا الكاتبة إلى قلب اللحظة التاريخية الكبرى، حيث لم يكن العبور مجرد تحرك عسكري، بل كان عبورًا من اليأس إلى اليقين، ومن الانكسار إلى الكبرياء. هناك، على ضفاف القناة، لم يكن الجنود يحملون السلاح فقط، بل كانوا يحملون تاريخ أمة، وإرادة شعب، وعقيدة راسخة بأن الأرض لا تُفرّط، وأن الكرامة لا تُستجدى.
وتتجلى براعة الكاتبة في تصويرها لسيناء، لا كأرضٍ عادت، بل كروحٍ استردت نبضها، وكأن الرمال نفسها تنفست حرية بعد طول احتجاز. لقد استطاعت أن تجعل من الخامس والعشرين من أبريل عام 1982 لحظةً تتجاوز الزمن، لحظة إعلان انتصار الإرادة المصرية عبر مسار طويل جمع بين صلابة الميدان وحكمة التفاوض، حتى اكتملت ملحمة الاسترداد، وعادت الأرض إلى حضن الوطن، مرفوعة الرأس، مكللة بالعزة.
ويبلغ النص ذروة فخامته حين يمزج بين نشوة النصر وعمق الدرس؛ فلا يكتفي بالاحتفاء، بل يرسّخ في الوعي أن هذا النصر لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة تضحيات جسام، ووعيٍ جمعي أدرك أن الأوطان تُبنى كما تُحرر: بالإخلاص، والعمل، والاستعداد الدائم للبذل.
وفي هذا السياق، تتردد أصداء كلمات خالدة: وقال مصطفى كامل: «لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا».
وقال هيرودوت: «مصر هبة النيل».
وقال نجيب محفوظ: «مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا».
إن هذا التعقيب لا يكتمل إلا بالإقرار بأن الدكتورة عبير العربي قد نجحت في أن تجعل من سيناء رمزًا خالدًا، لا لحدثٍ مضى، بل لمعنى باقٍ… معنى أن الوطن، حين يُحب بصدق، يتحول إلى عقيدة، وحين يُدافع عنه بإيمان، يصبح النصر قدرًا.
هكذا يأتي مقالها، لا كمجرد إشادة بالماضي، بل كنداءٍ متجدد للحاضر، ورسالة للأجيال القادمة: أن مصر، التي كتبت تاريخها بالتضحيات، ستظل دائمًا قادرة على أن تكتب مستقبلها بالانتصارات… وأن سيناء ستبقى، أبد الدهر، عنوانًا لوطنٍ لم يعرف الانكسار، ولن يعرفه.
