احتفت الكنائس في الأردن، الأحد، السائرة جميعها على التقويم الشرقي، بعيد أحد الشعانين، حيث غصت الكنائس بالمصلين منذ ساعات الصباح، حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون، إحياء لذكرى دخول السيد المسيح إلى مدينة القدس.
واحتفل المسيحيون حول العالم وفي المدينة المقدسة بأحد الشعانين (عند الروم الأرثوذكس الشرقيين) وعيد الفصح (عند الكنائس الكاثوليكية)، والتي تأتي في نهاية الصوم الكبير وإسبوع الآلام، حيث أُستقبل السيد المسيح عليه السلام في هذا اليوم (أحد الشعانين) من أهالي مدينة القدس، لدخوله إياها لأول مرة، بأغصان الزيتون وسعف النخيل، كرمزية للسلام والمحبة.
وبهذه المناسبة قال الأمين العام للجنة الملكية لشؤون القدس عبدالله كنعان إن المشهد في شوارع البلدة القديمة ومراحل الآلام الأربعة عشر مؤلم، حيث تخلو المدينة من مسيرات أحد الشعانين وعيد الفصح، في إطار ممارسات الاحتلال للإغلاق والحصار الشامل، بما في ذلك منع بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لإقامة قدّاس أحد الشعانين الاسبوع الماضي.
وبين كنعان أن الحظر ما زال قائماً تحت ذريعة الحرب التي اشعلها الاحتلال نفسه في المنطقة، وبشكل يهدد الاستقرار والأمان وبصورة تُمنع معها حرية الأديان والمعتقدات، سعياً منه لفرض واقع جديد يخالف به الاحتلال الوضع التاريخي القائم (الاستاتيسكو) والمتعارف عليه قانونياً وتاريخياً في القدس لقرون طويلة.
واوضح كنعان انه ما بين قصف الكنائس وتدميرها في غزة، وما بين الاعتداءات وإغلاق الكنائس في مدينة القدس هي الحالة الراهنة في مدن فلسطين المحتلة في موسم الأعياد المسيحية، تشير الإحصائيات أن الانتهاكات ضد المسيحيين في القدس شملت تدنيس المقابر، والاعتداء المتكرر على القساوسة ورجال الدين، واقتحام الكنائس والأديرة وسرقة محتوياتها، ورسم الشعارات المتطرفة عليها من قبل المستوطنين وتحت حماية الشرطة الاسرائيلية، ومن الأمثلة على هذه الاعتداءات مهاجمة المستوطنين لبلدة الطيبة ذات الغالبية المسيحية قرب رام الله بقصد تهجيرهم، كذلك اقتحام دير سانت جيمس في القدس، وغيرها من الاعتداءات.
واضاف كنعان ان اللجنة الملكية لشؤون القدس وبمناسبة الأعياد المسيحية تؤكد لـ الرأي العام أن الاحتلال يستهدف الوجود والهوية العربية الاسلامية والمسيحية في القدس وفلسطين، مما يتطلب موقفاً دولياً موحداً يلزم اسرائيل بوقف انتهاكاتها التي تتعارض مع الشرعية والاخلاق والأديان، منوها ان الاحتلال يستغل الظروف المتوترة التي تشهدها المنطقة ليزيد من جرائمه وبشاعتها.
وفي العاصمة عمان، ترأس مدير عام المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الأب رفعت بدر قداساً حاشداً في كنيسة قلب يسوع الأقدس، مؤكداً أن هذا الأحد يحمل خصوصية في الأردن، حيث تتوحد الكنائس في مسيرتها نحو الأسبوع المقدس في مشهد يعكس فرادة النموذج الأردني في التعايش الديني.
وثمن الأب بدر الجهود التي يبذلها جلالة الملك وسمو ولي العهد في خفض التوترات الإقليمية والدفع نحو حلول سياسية عادلة عبر دبلوماسية قائمة على التهدئة والاستجابة لتطلعات الشعوب، مشيدا في الوقت ذاته بدور الأجهزة الأمنية في تأمين الكنائس ومرافقة المصلين خلال الاحتفالات.
وفي محافظة اربد، ترأس النائب البطريركي للاتين في الأردن المطران إياد الطوال، قداس أحد الشعانين في كنيسة القديس جورج الشهيد، بحضور كاهن الرعية الأب فراس عريضة، مؤكدا معاني الوداعة التي جسدها السيد المسيح والدعوة إلى ترسيخ قيم الأخوة ونبذ العداء.
ودعا المطران الطوال إلى الله أن تتوقف الحروب في منطقة الشرق الأوسط والأرض المقدسة وأن يعم السلام والاستقرار.
كما رفع الصلاة من أجل أن يبقى الأردن واحة أمن واستقرار، في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.
ويحمل أحد الشعانين هذا العام دلالات عميقة تتجاوز البعد الديني، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات متسارعة، ليؤكد مجددا حضور رسالة السلام والأمل، ويبرز في الوقت ذاته النموذج الأردني في ترسيخ التعايش الديني وصون الحريات، بقيادة هاشمية تواصل تعزيز قيم الاعتدال والوئام.
وأكد مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، الأب الدكتور رفعت بدر لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن الأجواء التي تعيشها المنطقة في هذه الفترة ليست اعتيادية، في ظل ما تشهده من تحديات، لافتا إلى أن الأنظار تتجه نحو كنيسة القيامة مع حلول أحد الشعانين لدى الكنائس الشرقية واقتراب عيد القيامة لدى الكنائس الغربية.
وأوضح أن الأردن يتميز بوحدة الاحتفال بالأعياد بين المسيحيين على اختلاف تقاويمهم، في صورة تعكس حالة فريدة من التآلف، مبينا أن أحد الشعانين في جوهره عيد للسلام، حيث يرفع المؤمنون أغصان الزيتون رمزا للمحبة ويستذكرون دخول السيد المسيح إلى القدس بروح الوداعة والتواضع. وأشار إلى أن هذا المشهد يجسد نموذج القائد المتواضع الذي يخاطب القلوب بلغة السلام، مؤكدا حاجة العالم اليوم إلى ترسيخ هذه القيم في ظل ما يشهده من صراعات، وأن رسالة الشعانين تمثل دعوة متجددة للوئام، والصلاة من أجل الطمأنينة وإنهاء معاناة الشعوب، لا سيما في المناطق التي تقيد فيها إقامة الشعائر الدينية.
من جانبه، أكد الأب بولص حداد أن أحد الشعانين يجسد ذكرى دخول السيد المسيح إلى مدينة القدس، حيث استقبله الناس، لا سيما الأطفال والشبان بسعف النخيل وأغصان الزيتون التي ترمز إلى السلام في مشهد يعكس رسالة المحبة والطمأنينة.
وأشار إلى أن الأردن يقدم أنموذجا راسخا في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، يقوم على الأخوة الإنسانية والممارسة الفعلية لقيم التسامح والحرية، مبينا أن هذه التجربة الممتدة تشكل مثالا يحتذى على مستوى المنطقة والعالم.
ودعا حداد إلى ترسيخ قيم السلام في المنطقة وإنهاء الصراعات بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار لتبقى رسالة الشعانين حاضرة كدعوة دائمة للمحبة والوئام.
بدوره، أشار القس الأب سامر عازر إلى أن أحد الشعانين (السعف) يحتفل به في الأردن وفق التقويم الشرقي، حيث توحدت الكنائس في الاحتفال به منذ عام 1978، في خطوة تعكس روح التآلف وتعزز وحدة الصف، وتنسجم مع الرسالة الهاشمية الداعمة لقيم الوئام الديني والعيش المشترك.
وبين أن الأردن يعد أنموذجا عالميا في صون التعددية الدينية وحماية المكون المسيحي والحفاظ على مقدساته، في مقدمتها موقع عماد السيد المسيح (المغطس)، في إطار الوصاية والرعاية الهاشمية التي تكرس حرية العبادة وتصون الإرث الديني. وأشار إلى أن المسيحيين في القدس وفلسطين يواجهون قيودا تحد من قدرتهم على ممارسة شعائرهم والوصول إلى الأماكن المقدسة، ما ينعكس على تقليص الاحتفالات السنوية، بما فيها مسيرة الشعانين التقليدية.
كما، أحيت كنائس مدينة العقبة، أمس أحد الشعانين، الذي يسبق أحد الفصح المجيد، إيذانًا ببدء مسيرة الأيام الأخيرة قبيل العيد، وسط أجواء روحانية مفعمة بالإيمان والرجاء والصلاة. وشملت الاحتفالات إقامة دورات كنسية طاف خلالها المصلّون في كنائسهم وساحاتها، حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون، استذكارًا لدخول السيد المسيح إلى مدينة القدس، والتي بقيت رمزًا للسلام والوداعة والفرح والمحبة.
وفي كنيسة القديس يوحنا المعمدان للروم الملكيين الكاثوليك، ترأس الأرشمندريت بسام شحاتيت قداس أحد الشعانين بحضور جمع من المؤمنين، وشدد في عظته على أن الصلاة والصوم يشكلان طريقًا روحانيًا للإنسان يفتح قلبه على الرجاء والإيمان ويقوده إلى العودة الصادقة إلى الله في هذه الأيام المباركة، داعيًا إلى الثبات في الإيمان ومراجعة الذات. ورفع المؤمنون صلواتهم من أجل الأردن، سائلين الله أن يديم عليه نعمة الأمن والأمان، في ظل صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبد الله، مؤكدين اعتزازهم بالوطن وقيادته الحكيمة. وأشار شحاتيت إلى أن الظروف الراهنة تستدعي المزيد من الدعاء والتضرع إلى الله لحفظ الوطن ودعم الجيش العربي والأجهزة الأمنية التي تسهر على حماية المواطنين وأمنهم.
وفي كنيسة القديس نيقولاوس للروم الأرثوذكس، أكد الأب توما زيادين أهمية استلهام معاني أحد الشعانين، لما تحمله من رمزية دخول السيد المسيح إلى القدس، لافتًا إلى أن الصلاة في مدينة العقبة اليوم تمثل استمرارًا لأقدم حضور للمسيحيين في العالم، مستذكرًا الكنيسة الأثرية في العقبة ومشدّدًا على أهمية الثبات في الإيمان واستمرار الصلاة من أجل أمن الأردن واستقراره وسلام العالم، مثمنًا الدور الحيوي للأجهزة الأمنية المتواجدة على مداخل الكنائس طوال أيام الأسبوع المقدس لضمان سلامة المصلين.
وأكد المؤمنون في صلواتهم خلال هذه المناسبة المباركة الدعاء بأن يعمّ الخير والبركة، ويبقى الأردن نموذجًا للأخوة والمحبة، بعيدًا عن كل ما يمس وحدته واستقراره، مستلهمين من المناسبة قيم التآخي والتعاضد بين أبناء الأسرة الاردنية الواحدة.
وأحيت الكنائس بمحافظة عجلون عيد أحد الشعانين وسط أجواء روحانية مميزة عكست عمق الإيمان وقيم التآخي التي يتميز بها المجتمع الأردني في مشهد يجسد معاني السلام والمحبة. وقال راعي كنيسة سيدة الجبل الأب يوسف فرانسيس إن عيد أحد الشعانين يحمل دلالات روحية عظيمة، كونه يرمز إلى السلام والتواضع، مشيرا إلى أن الكنيسة تحرص على ترسيخ هذه القيم في نفوس المؤمنين، وتعزيز رسالة المحبة والتسامح.
وأكد محافظ عجلون نايف الهدايات، حرص المحافظة على توفير الأجواء الآمنة والمناسبة لإقامة الشعائر الدينية، مشيرا إلى أهمية هذه المناسبات في تعزيز قيم المحبة بين أبناء المجتمع بما يعكس صورة الأردن كنموذج في التسامح والوئام.
وأشار رئيس لجنة مجلس محافظة عجلون المهندس معاوية عناب، إلى أن احتفالات عيد الشعانين تعكس عمق التلاحم بين أبناء المجتمع المحلي، مبينا أن عجلون تشكل نموذجا حقيقيا للتعايش الديني والوحدة الوطنية من خلال مشاركة الجميع في المناسبات الدينية بروح من الاحترام والتقدير المتبادل.
وبين النائب السابق الدكتور بلال المومني أن احتفالات عيد الشعانين تجسد عمق الروابط الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد، لافتا إلى أن هذه المناسبات تشكل فرصة لتعزيز روح الأخوة ونبذ التعصب وترسيخ مفاهيم العيش المشترك.
وبينت النائب الأسبق سلمى الربضي، أن هذه المناسبة تمثل فرصة لتعزيز أواصر المحبة والتواصل الاجتماعي، معربين عن أملهم بأن يعم السلام والاستقرار وأن يبقى الأردن واحة أمن وأمان في ظل قيادته الحكيمة.
وأشارت عضو مبادرة «البيئة تجمعنا» فريال حداد إلى أهمية ربط المناسبات الدينية بالحفاظ على البيئة من خلال الاستخدام الواعي والمستدام لأغصان الزيتون والنخيل بما يسهم في تعزيز السلوك البيئي الإيجابي إلى جانب القيم الروحية.
