تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية أزمة مالية خانقة، ناجمة بدرجة أساسية عن السياسات والإجراءات التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والهادفة إلى إضعافها وتقويض دورها الوطني. إلا أن جذور هذه الأزمة تعود إلى مراحل سابقة، بدأت منذ عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، حين أوقفت بعض الدول العربية دعمها المالي لمنظمة التحرير الفلسطينية عقب حرب الخليج.
ومع توقيع اتفاق أوسلو، تحوّل الدعم العربي والدولي باتجاه السلطة الفلسطينية، على حساب منظمة التحرير، وبدأت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل منظومة الإسناد السياسي والمالي. وعندما دعا الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى إنهاء المرحلة الانتقالية عام 1999 وإعلان الدولة الفلسطينية وفقًا للاتفاق، قوبل ذلك برفض أمريكي وغربي، واعتُبر خطوة أحادية الجانب.
وقد تبع ذلك تصعيد سياسي وإعلامي، تُوّج بمحاصرة الرئيس عرفات في مقر المقاطعة برام الله، بعد رفضه التنازلات المجحفة، خصوصًا في قضيتي القدس واللاجئين، خلال مفاوضات كامب ديفيد. وقد دفع عرفات ثمن تمسكه بالثوابت الوطنية، حيث تم اغتياله، في ظل ظروف ما زالت تحيط بها الشبهات السياسية.
بعد هذه المرحلة، تولّى الرئيس محمود عباس المسؤولية الوطنية، وسعى إلى حماية القضية الفلسطينية من محاولات التصفية، عبر مسار سياسي يستند إلى الشرعية الدولية، دون التفريط بالثوابت. وقد شهدت تلك المرحلة إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية اتسمت بالنزاهة، إلا أن الانقسام الفلسطيني بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة شكّل منعطفًا خطيرًا، وأسهم في إضعاف المشروع الوطني.
ورغم ذلك، حقق المسار السياسي إنجازًا مهمًا عام 2012، بحصول دولة فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، والانضمام إلى العديد من المؤسسات الدولية، ما عزز مكانة القضية الفلسطينية على الساحة الدولية.
غير أن هذا التقدم قوبل بإجراءات إسرائيلية عقابية، تمثلت في احتجاز أموال المقاصة، ووقف تحويل المستحقات المالية، خاصة المتعلقة برواتب الأسرى والشهداء. وقد تفاقمت الأزمة بعد أحداث السابع من أكتوبر، حيث تم تشديد الحصار المالي، في إطار سياسة تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وربما إنهائها.
إن هذه المرحلة الدقيقة تتطلب استحضار القيم الكبرى في تحمل المسؤولية الوطنية، حيث يقول الله تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” (سورة الأحزاب: 72).
فالمرحلة الراهنة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، سواء على المستوى الوطني أو العربي، ما يستوجب تحركًا عاجلًا لإنقاذ السلطة الفلسطينية من أزمتها المالية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تحرك عربي جاد عبر جامعة الدول العربية لمعالجة عدد من الملفات الحيوية، من أبرزها:
توفير رواتب أسر الشهداء والأسرى والمحررين عبر دعم عربي مباشر.
إنصاف المتقاعدين من مناضلي الثورة الفلسطينية في الشتات، الذين يعانون أوضاعًا معيشية صعبة.
توحيد أنظمة التقاعد بين الداخل والشتات، بما يضمن العدالة والمساواة.
معالجة التفاوت في صرف الرواتب وضمان انتظامها لجميع المستحقين.
السيد الرئيس محمود عباس، إن حجم التحديات المفروضة على السلطة الفلسطينية كبير، لكن حجم المسؤولية الوطنية أكبر، في ظل تضحيات شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات. إن صمود هذا الشعب يتطلب تعزيز مقومات بقائه، وضمان كرامته، حتى تحقيق الحرية والاستقلال.
الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية: بين ضغوط الاحتلال ومسؤولية الإنقاذ العربي* عمران الخطيب
2
المقالة السابقة
