كما لجمع التبرعات غير الشرعية وغير القانونية مرتزقتها، كذلك لمروجي حملاتها الدعائية، قبل الانتخابات وبعدها.
الأخطر، عندما تتحول تلك “السّبّوبة”، “الطقطوقة” أو “الغِغْ” من فرصة ارتزاق موسمي، إلى عمل تعاقدي بالقطعة، على مدار العام. عندها، تتحول الأمور شيئا فشيئا -حتى وإن صلحت النوايا- من حرية التعبير إلى حرية العمل! وبالتالي لا تكون الشعارات والهتافات والمسيرات والمظاهرات بما فيها تلك التي تفتعل الاشتباك مع معارضيهم أو رجال إنفاذ القانون، سوى شكل من أشكال الادعاء بالحق في العمل والارتزاق!
منذ عقود، عرفت في بلاد العم سام عن قرب، ظاهرة مسيرة شخص، ذكر أو أنثى، شاب أو مسن، رافعا مثلا علم دولة ما -غير أمريكا- تعبيرا عن معارضة لحرب ضد نظام أو بلاد، أو دعوة إلى استخدام أوراق الضغط الإعلامي والاقتصادي وحتى العسكري لإسقاط نظام أو دولة، لا تتوافق مع أولئك المحتجين “العفويين”!
ظننت الأمر في بداية حياتي كشاب، ومهنيا كحديث عهد بالصحافة والسياسة وأشياء أخرى في مطلع التسعينيات، حتى عرفت لاحقا، أن ما يبدو عفويا وإن كان فرديا، ما هو إلا شكل من أشكال التأطير والتحشيد، والحراك السياسي الذي له خبراء في التخطيط والدعم والإسناد اللوجستي بكل معنى الكلمة، ليس تمويلا فقط، بل وتأمين “مصرف جيب” ومواصلات الانتقال من ولاية إلى أخرى أو مقاطعة إلى أخرى داخل الولاية، وإقامات في فنادق! حتى بلغ الأمر حد استغلال المقيمين غير الشرعيين بمن فيهم من تسللوا إلى البلاد أو تحايلوا على القوانين الخاصة بالدراسة أو الإقامة أو العمل أو الهجرة.
وبعد فضيحة فساد بتسعة عشر مليار دولار في ولاية مينيسوتا وحدها، عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لنائبه جيه دي فانس بملف مكافحة الفساد، والاسم الذي تم اختياره لم يكن “كُرَبْشِن”، بل “فْرودْ”، بمعنى التركيز على محاربة التزوير أو النصب والاحتيال..
من ثمار ذلك، ملاحقة شخصية نافذة عالميا ارتبط اسمه بالهزات المالية في دول جنوب شرق آسيا، والثورات الملونة في أوروبا، والفوضى الخلاقة “الهدّامة” والربيع العربي “الدامي”، وملاحقة منظماته “المفتوحة” غير الربحية! كلها صارت بحمد الله في عين الاستهداف الآن، فيما يخص التحقيقات التي أطلقتها وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفدرالي المعروف اختصارا ب “إف بي آي”، للوقوف على دور بعض “المانحين” أموالا ودعما وتدريبات خاصة، ترمي إلى التحريض على العنف باسم “التمكين” وشعارات أخرى فيها الكثير مما ينطبق عليه “كلمة حق يراد بها باطل”..
اليوم وقد مضى شهر على عملية “الغضب الملحمي”، خرجت “فعاليات” شهدتُ بمحض الصدفة العديد منها في العاصمة الأمريكية وضواحيها، تمنيت لو عرف الناس مسرحها الحقيقي قبل تناقلها في الصحافة الأمريكية وخاصة الناطقة بالعربية في أمريكا وأوروبا وروسيا، أو تلك التي لها مكاتب في واشنطن من قنوات تبث من الشرق الأوسط.
لن أمنح منظمي تلك الفاعليات ومانحيهم المزيد من التغطية والترويج، فسأعمد إلى تجاهل شعارها الدعائي، لكن استوقفتني الآلية المعروف لدينا.. يعتلون جسرا فوق طريق سريع، وآخرون يفردون سلسلة بشرية قرب دار للمسنين والمتقاعدين، ومجمع لملاعب رياضية عمومية، وآخر للمتنزهات الطبيعية، مع بدء موسم تنوير الكرز “تْشِرِ بْلُسُم”! يدعون الناس عبر لافتات وبالصياح والتلويح بالذراعين مما يستدرج الانتباه ولو على حساب القيادة الأمنة، يدعون السائقين إلى “التزمييير”، أو ما يسميه إخوتنا المصريين “اضرب أو ادّيني كَلَكْسْ”! البعض يستجيب والبعض يخرج عن قواعد السلامة العامة فيرفع أو يخرج يده بتحية فيما اختارت الأغلبية الساحقة “الصمت” بمعنى التجاهل، تعبيرا عن معارضة السائقين لشعار المحتجين، أو تقيدهم بقواعد السلامة العامة.
لو وقع حادث لا قدّر الله، من السهل حسم “الكروكا”، فالخطأ يقع على قائد المركبة، والأمر بحاجة إلى مدعي عام ومحامي وقاضي من ذوي الاختصاص والضمير الحي، لتحميل المتسببين الحقيقيين بالحادث، جانبا من المسؤولية، أو المسؤولية كلها.
قد يتنبه بعضهم إلى ذلك لاحقا، فيضعون كما في الدعايات التلفزيونية والورقية، تنبيها بخط لا يقرأ إلا مجهريا، بأن رجاء: زمّر “هنك”.. ولا تلولح “دُنت ويف”!!
لست أدري إن كان التداعي الحر قد جعلني أدندن دون “تزمير” لمعارضتي لذلك الصنف من “الناشطين”: وتلولحي يا دالية”! فقد ركبوا -أصلح الله حالهم- جسرا عاليا، واحتلوا ناصية استراتيجية -على الإشارات- ملوحين بشعار يرون أحسن تعبير في تأييده، هو “الزامور”!
طبعا، لن تظهر تلك الصور “المشهدية” لا في التغطية المباشرة، ولا في التقارير ولا الوثائقيات، لأن المطلوب لن يُرى إلا بعد “تقييف” الصوت والصورة والسردية!!
زَمّر “هَنْكْ”.. ولا “تْلولِحْ”!* بشار جرار
0
المقالة السابقة
