عروبة الإخباري –
يشكّل الفكر العربي المعاصر فضاءً متوهّجًا، كصحراء تشتعل بأسئلة لا تنطفئ، وتتعاقب عليها رياح التاريخ حاملةً غبار الإمبراطوريات، وحنين الهويات، وقلق المصير. ومن بين هذه الدروب المتشعّبة، تبرز أعمال الدكتورة سامية فطوم كأنها مصابيح فكرية مشتعلة، لا تكتفي بإضاءة الطريق، بل تكشف أيضًا عن تشققات الأرض التي نسير عليها.
إنها لا تكتب فقط، بل تنقّب في طبقات الوعي العربي، تحفر في الذاكرة، وتستخرج من بين الركام أسئلة كبرى: من نحن؟ وكيف أصبحنا كذلك؟ وإلى أين نمضي في عالم تتنازعه الهويات كما تتنازع الأمواج سفينة بلا مرسى؟

في كتابها “العلمانية في الفكر القومي العربي إلى الحرب العالمية الثانية”، لا تقدّم فطوم سردًا تاريخيًا باردًا، بل ترسم لوحة متحركة لصراع خفي بين العقل والإيمان، بين التراث ورياح الحداثة. هناك، يقف المفكر العربي على حافة زمنين، يحاول أن يمدّ جسورًا بين السماء والأرض، بين المقدّس والسياسي. لم تكن العلمانية، كما تكشف، سيفًا مسلولًا ضد الدين، بل كانت محاولة لترويض الفوضى، لتنظيم العلاقة بين السلطة والروح، في زمن كان العالم يعاد تشكيله بقوة الحديد والفكر.
ثم تنعطف بنا نحو “التيارات المناهضة للقومية في الفكر العربي الحديث قبل نكسة 1967″، حيث تتكاثر الأصوات، وتعلو النبرة، ويصبح المشهد أشبه بساحة جدل عاصفة. هنا، لا تعود القومية قدرًا محتومًا، بل فكرة تُحاكم، تُرفض، وتُقاوم. تيارات إسلامية تخشى ضياع الهوية الدينية، وأصوات ليبرالية تحذر من استبداد الشعارات، واتجاهات يسارية ترى في القومية قيدًا جديدًا بدل أن تكون خلاصًا. تكشف فطوم أن الفكر العربي لم يكن يومًا صامتًا، بل كان دائمًا في حالة اشتباك، كبحر لا يهدأ.
وفي “قضايا الهوية في السياق العربي”، تبلغ الأسئلة ذروتها. الهوية هنا ليست تعريفًا جامدًا، بل كائن حي، يتنفس، يتغيّر، ويتشظّى. العربي ليس فقط عربيًا، بل هو أيضًا ابن دين، ولغة، وذاكرة، وجغرافيا. تحت تأثير الاستعمار، ثم العولمة، بدأت هذه المكونات تتصادم، وكأن الذات العربية أصبحت مرآة مكسورة تعكس وجوهًا متعددة في آن واحد. فطوم لا تبحث عن إجابة جاهزة، بل تكشف جمال التعقيد وخطورته في آن.
أما في “الهوية الأمازيغية والأهلية الإباضية بشمال أفريقيا نموذجًا”، فتأخذنا إلى عمق الهامش، إلى تلك الأصوات التي غالبًا ما تُهمّش في سرديات الهوية الكبرى. هناك، في جبال الأطلس وصحارى المغرب الكبير، تنبض هويات لم تنصهر، ولم تذُب، بل حافظت على لغتها وخصوصيتها كجمر تحت الرماد. الأمازيغية ليست مجرد لغة، بل ذاكرة مقاومة، والإباضية ليست فقط مذهبًا، بل تجربة اجتماعية متكاملة. ومن خلال هذا النموذج، تهدم فطوم وهم التجانس، وتعلن أن التعدد هو الحقيقة الوحيدة الثابتة.
وفي عملها “دراسات وبحوث في الجدل السياسي الديني حول الدولة والمجتمع”، تفتح الباب على أكثر الجبهات اشتعالًا: الدين والسياسة. هنا، تتقاطع الخطابات، وتتصادم الرؤى، ويتحوّل السؤال إلى معركة: هل الدولة مدنية أم دينية؟ هل الشريعة نظام حكم أم مرجعية أخلاقية؟ تعرض فطوم هذا الجدل كدراما فكرية مستمرة، لا أبطال فيها ولا نهاية حاسمة، بل مسار طويل من التفاوض والتوتر، يعكس عمق الأزمة التي يعيشها العقل العربي.
في المحصلة، تبدو أعمال سامية فطوم كملحمة فكرية، لا تروي قصة واحدة، بل قصصًا متداخلة عن أمة تبحث عن ذاتها في مرايا التاريخ. إنها كتابة تحترق بالأسئلة، وتتوهّج بالتحليل، وترفض السكون. ثلاث قضايا كبرى تتكرر كأنها أقدار: القومية، الهوية، والدين. لكنها لا تُقدَّم كمسلمات، بل كحقول صراع، ومساحات مفتوحة للتأويل.
وهكذا، لا تكتفي فطوم بفهم الواقع، بل تدفعنا إلى مواجهته، إلى إعادة التفكير فيه، إلى الشك في بداهاته. إنها دعوة إلى يقظة فكرية، حيث لا مكان للإجابات السهلة، بل فقط لرحلة طويلة في متاهة الذات العربية—رحلة قد تكون مرهقة، لكنها وحدها القادرة على إشعال نور الحقيقة.
