“طُرُقُ أُورَشَليمَ نائِحَةٌ لِعَدَمِ القادِمينَ إلى الأعياد، و جميع ابوابها متهدّمة ، كهنتها متنهّدون و عذاراها متحسرات، وهي في مرارة. الرب صالح للذين ينتظرونه، للنفس التي تلتمس. خيرٌ من ينتظر خلاص الرب بسكوت، لانّ السيد لا يقصي الى الأبد… دعوت باسمك يا ربي اسمع صوتي لا تحجب أذنك عن استغاثتي اقترب يوم أدعوك”.
هكذا رنّمت فيروز، بكلمات الأخوين رحباني، بصوتها الحزين والعميق عام 1962، وعادت فأنشدتها عام 1967. واليوم، ما زالت فيروز المكلومة هذا العام تغنّي للقدس، وكأنّ الزمن لم يتغيّر، وكأنّ الحزن ذاته يتكرّر، لكن بأوجه مختلفة.
كانت طرق أورشليم نائحة في زمن الجائحة، ثم صارت نائحة ثلاث سنوات بسبب الحرب على غزة، وهي اليوم نائحة من جديد لغياب الحجاج، إذ انحسر القادمون إلى القدس وبيت لحم والناصرة لسنوات متتالية. وحتى في الأردن، هذا العام، تغيب أفواج الحجاج عن المغطس وسائر الأماكن المقدسة، لأنّ الحرب لا تمنح أمانًا للسفر، ولا طمأنينة للعبور.
طرق أورشليم نائحة… وكنيسة القيامة مغلقة الأبواب على أبواب الفصح المجيد، مثل شقيقها المسجد الأقصى في الفطر السعيد، ولكنهما ليسا وحدهما. لأنّ صلاة المؤمنين ترتفع من البيوت ومن القلوب المؤمنة التقيّة.
يدعو بطريرك القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إلى الاحتفال بالشعانين هذا العام دون مظاهر خارجية أو مواكب احتفالية، كما اعتادت المدينة عبر قرون طويلة. وبدل الأهازيج وسعف النخل وأغصان الزيتون، ترتفع الدعوة إلى صلاة المسبحة الوردية من أجل السلام، لعلّ السماء تمطر على الأرض سلامًا وطمأنينة.
ومن الفاتيكان، يتجدّد نداء البابا لاون لوقفٍ فوري لإطلاق النار، كي يعود الناس إلى حياةٍ تليق بإنسانيتهم: حياة المحبة والأمان، وهي حياة تفتقدها منطقتنا، بل والعالم بأسره.
يطلّ عيد الفصح هذا العام مثقلاً بالحزن، وكأنّ “الجمعة العظيمة” قد طالت أكثر من أي وقت مضى. فدرب الصليب يبدو أطول، وأثقل، وأشدّ وطأة من السنوات السابقة، لأن الألم لم يعد محصورًا، بل بات يهدد السلام العالمي بأسره.
ومع ذلك، لا نفقد الرجاء. إلى أن يطلع و ينظر الرب من السماء”، كما تقول ترنيمة فيروز المفعمة من الكتاب المقدّس. وهذا الإيمان هو ما نتمسّك به اليوم، لكي لا تفقد أجيالنا الشابة الأمل، ولكي نؤمن أن الحرب، مهما اشتدّت، ستخمد يومًا، وأن صوتها سيسكت، وأن قيم العدالة والسلام ستنهض من جديد.
فلنضمّ أصواتنا، إلى أصوات المصلّين في القدس هذا العام، وإن كانوا قلّة عدديّة، وقبل ذلك لنصغِ الى رؤساء كنائس القدس، مدينة القيامة، في رسالتهم الرعوية الفصحية الى جميع أبنائهم وبناتهم في القدس وخارجها، حيث يقولون فيها: “ندعو المؤمنين وجميع أصحاب الإرادة الصالحة إلى العمل والصلاة بلا انقطاع من أجل إغاثة المجموعات المتضررة في الشرق الأوسط وخارجه، وخاصة الذين يئنّون من ويلات هذه الحروب. كما نناشدهم أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء والمناصرة من أجل وقف فوري لنزيف الدماء، وأن يسعوا إلى تحقيق العدالة والسلام في مناطقنا الجريحة، بدءًا من القدس وامتدادًا إلى غزة ولبنان وسائر الأراضي المقدّسة، وإلى دول الخليج وطهران، وإلى أقاصي الأرض.”
ومعهم نقول مع كلّ أصحاب النيات الحسنة في هذا الوجود:
يا سيّد السلام، أعطنا سلامك، واروِ عطش قلوبنا بالطمأنينة.
