نشرت ليَ “الرأي” الأردنية -الصحيفة الوطنية الموقف، والربّان، والجذور- مقالة عنوانها “المناعة، وفض النزاعات ومُخَفِّضاتِ الأمان والعِمْران”. كتبتها قبل “إعلان” حرب أميركا وإسرائيل على ايران يوم: 26/ 2026/3/. كتبتها من وحي الغيوم المتلبدة الحالكة في أفق الشرق الأوسط – الظرف الذي أنعش ذاكرتي بما درسته عن الهندسة المالية والاقتصادية، التي ظاهرها اقتصادي، وباطنها سياسي: تحكُم، وتُخلخِل، وتَبْذُرَ، وتحِلُ نزاعات! وأتذكر كلام استاذي في بريطانيا: استخدِمِ العقل، واستثمِرْ فيه لِمَنَعَتِك، واستثمر قوَّتك الاقتصادية او ضعفِك، لاضعاف خصمك او للتُّقيَّةِ منه. فتنال من بنيَتهِ، وتُفقِدْه منعته الإدارية والسياسية، دون حرب معه. فتحقق، مرحليا، هدنة او سلام، يخدم هدفك الاستراتيجي. وكان انهيار الاتحاد السوڤيتي (ثم تفتت يوغسلافيا): مثالين صارخين. فلم تُغْنِ السوڤييت قوتهم العسكرية النووية، حين ضَعُفَت أو أُضعِفَت مناعتهم الاقتصادية! هي “هندسة مالية اقتصادية”، وليست سراََّ مكتوماّ. لكن المناعة والمنعة تحتاج الى شَدِّ أحزمة “العقولِ والحقولِ، والبُطون”.
واليوم 2026/3/26 بالذات، شحذ ذهني، للكتابة، تلميذ لي، اردني ناجح، فاق أستاذه، هو الخبير المالي في هيئة الأوراق المالية: رامي خليل خريسات. هو من العقول التي هاجَرَت، بل هجَّرْناها وغيرها، فربحه إخوتنا في ابو ظبي، بيّضَ وجوهنا، وساهم بذكاءٍ في تطوير السوق المالية هناك – خسرناه حين “نُكِبَت السوق المالية عندنا، بقرارات إعادة هيكلة القطاع العام سنة 2011. كتب رامي في “صحيفة الغد”، مقالة امس، هي مؤونة، وتوقيتها صائب، وعنوانها: “إعادة التَّموْضُع”، في مشاريع المدن الذكية، وتَطرَّق الى بعض أولويات الاقتصاد الوطني، كلها في ضوء الحرب الجارية، وأولويات الناس من السيولة والدواء والغذاء والامن، عندنا، وفي الخليج؛ واستقرار الطاقة والكهرباء والعمق الاستراتيجي للأردن والتقنية. فأحْسَنَ الكتابة.
وأعود الى إكمال ما كتبته مباشرةً قبل قرار الحرب الجارية، بأيّام، فأقول: ان نهجنا الاستراتيجي قاعدته الصلبة تبدأُ وتُبْني أولا في الداخل: منعةً إقتصاديةً مُتَدرِّجة، ثم، تكامل وتعاون عربي، وآخر إقليمي ودولي، ثانيا. فلا خيار لنا إلا ذلك، وان نشبكَ أيدينا بمن تلتقي مصالحنا معه، بِلا تَردُّدْ . ونعمل بذكاءٍ ومرونة محسوبة.
إن المنعةُ وإستدامة العِمْرانْ، هدف سامٍ، والطريق إليه يمر بترسيخ قناعات، وتربية وطنية، على أيدي برره، تحمي، وتمنع الاحتكار، وعِمَادُها “شَدُّ أحزِمة العقول” Brains belts، في بلد يَنعُم بفائض في القوى البشرية Human Resources في قطاع الخدمات والمعرفة والاتصالات؛ “وشد احزمة البطون” waist belts & Mouths، في اقتصاد يفوق فيه مجموع الانفاق على الاستهلاك Total Consumption على مجموع الادخار Savings; ويُجَسِّرُ العجزَ فيه Deficit اليوم، المِنَح والمساعدات الخارجيه -هي مصيدةٌ إن تستمر- تأسُرُ الادارات، ولا تُديم النمو! ويأتي حُسْن التدبير علاجٌ ناجع؛ ليس في الاستهلاك الفردي من موازنة العائلة فقط، بل يتعداه ليصل الى حُسْن التدبير في الموازنة العامة الدولة. فالادخار فضيلة؛ و”شَدُّ أحزمة الحقول”، هي العودة والمراجعة، الى الارض، والزراعة، والماء، والطاقة. (وفنيي وزارتي الزراعة والطاقة لديهم مخزون معرفة اقرب) أما “شدّ أحزمة السواعد والعضلات”، فهناك آخرين غيري يُحسِنون القول فيها.
والحديث هنا هذا تُظِلُّه سحابات الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية، من تهديد للتجارة، وللتوريد وللمصادر، وللغذاء والدواء، والماء، والطاقة؛ وتعثّر النقل، وتَضيُّق سوق العمل، وموارد السياحة والخدمات، والتضخم الجامح في الأسعار؛ ناهيك عن بيئةٍ مهدِّدَة للاستثمار و للصادرات، ومحيّّدَة، أو مُتَرَقِّبَةٍ او طاردةٍ للاستثمار؛ وتعثُّر او إنسداد طرق التوريد . فالحل اضحى محليا، الان وللمستقبل. والحلول “غير العادية” هي للظروف غير العادية:
اولا: الامن الغذائي والحصاد المائي التخزيني من سدود وآبار، في ظل سياسة تسعير كابحة للتبذير. والتوجه اكثر وبكثافة نحو انتاج بديل لمصادر الغذاء والبروتين الحيواني، من الألياف والمحاصيل، ذات القيمة الغذائية العالية، سريعة النضوج، تتحمل الجفاف والملوحة، والحرارة العالية والمنخفضة، والتربة الفقيرة، وكلف زراعتها وحصادها، منخفضة؛ جافة تخزّن لمدد طويلة، هي زراعات كثيفة في استخدام العمالة، نجحت في الهند وتركيا والمكسيك، وهي غذاء آمن، ومادة للتصدير: الحمص وسعر الطن بين 750- 1100 $$ ; والعدس،373$- 1300$ ؛ والشعير مادة للإنسان وللعلف، الطن ب 2114$; اسعارها تتقلَّب بحدة عند الحاجة وفي الحروب! أليس الزيتون وزيته المبارك، غذاء استراتيجي؛ بحاجة الى تكثيف زراعته عامةً، وفي اراضي الدولة خاصة؛ فهو “نفط” تونس واليونان وإيطاليا وإسبانيا؛ وتكثيف التحريج الآلي في اراضي الخزينة، وتحفيز الناس، بأشتال محلِّية، كالخروب والصنوبر، والسنديان، والبطم، مقاومة للڤيروسات، وهي غذاء للإنسان وعلفي؛ وزراعة النباتات الدوائية، ونشر بذورها على الأراضي الوعرة، من الجو- والمانيا اهم من ينتجها؛ والشكر واجب لمن يُحْي شعار الراحل الحسين ابن طلال: “الأردن اخضر عام 2000”!.
ثانياّ: تكثيف، وتحفيز، و إعفاء الاستثمار في أمن الطاقة الشمسية والرياح، والسماح بتخزينها للأفراد؛ ودعم ابحاث الفيزياء في “الليزر والميزر”، فهو سلاح فعّال قادم في حروب الفضاء، ارخص من الطائرات والصواريخ، والمُسيَّرات! وترقية التعليم المهني وتجميع المعاهد المهنية، والتركيز على مادة الرياضيات، والامن الرقمي. ثالثا: تكثيف وتصعيد الاستثمار في مشتقات الفوسفات والبوتاس Down stream industries، ففيها اسمدة للزراعة “وللصناعات الاستراتيجية”-المتخصصون يعرفونها، اكثر- وأسعارها مجدية، وواقية من التضخم؛ ثالثا: ترقية قطاع الخدمات المالية أكثر، وتشجيع الادخار والاستثمار الوطني الفردي، والمؤسسي، بإحياء سوق السندات بإصدار سندات موجهة لمشاريع محددة؛ ومراجعة النظام الضريبي، ففيه اصلاح مجتمعي سلمي؛ ومشاريع التخزين الدولي العابر، فهو استثمار أملته الحرب اكثر مما مضى.
كما تملي الظروف القائمة، أن يعرف المواطن “أكثر” ، أنفُسَنا، وحجمنا وقدراتنا، وحدود قوتنا، ليكون عضدا وسندا. فالظرف غير عادي، ويتطلب اجراءات واضحة محددةً، تتناسب معه، من أيد ٍ مؤمنة بنظامنا النبيل ، جادة، عالية الكفاءة، والخبرة، محصّنة، قدوة، تفرض، بثقة وجرأة: حُسْنَ التدبير والترشيد في البيت، والعمل ولدى المؤسسات. وتعاقب الاحتكار والإساءة الوظيفية، وكل ما يخلّ بالمنعة الداخلية المالية، والاقتصادية، من خلال: “شد أحزمة العقول، والبطون، والحقول . ففي ذلك علاج مستمر ، يرفع ويُحَصِّن، المناعة، ويديم العِمْران والأمن الوطني. حفظ الله وطننا الأردن وقيادته النبيلة.
