يبرز مجددًا، ومع وقع هذه الحرب، ملف الطاقة في الأردن كأحد أبرز وأهم الملفات الضاغطة على صانع السياسات العامة وراسمها. صحيح أن الأردن لم يواجه أي انقطاعات في الكهرباء أو في سلاسل الإمداد والتوريد، إذ يمتلك مخزونًا لتوليد الكهرباء يكفي لشهر كامل، إلى جانب مخزون استراتيجي من المشتقات النفطية يمتد بين 30 إلى 60 يومًا. كما أن ميناء العقبة يعمل بكامل طاقته، ومن المتوقع أن يكون ما استقبله خلال شهر آذار الحالي قرابة 70 ألف حاوية من السلع والمنتجات المختلفة، وهو نفس العدد المسجل في الشهر ذاته من العام الماضي. كذلك تم استقبال 8 سفن محملة بحوالي 319 ألف طن من المشتقات النفطية، وخمس سفن محملة بنحو 57 ألف طن من الغاز.
لكن تحركات الأسواق العالمية حجّم الصدمة بشكل واضح، إذ قفزت أسعار النفط الخام بنسبة 41%، وارتفع الغاز الطبيعي بنحو 14.4%، ما يؤكد أن الاقتصاد العالمي يواجه موجة ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة. هذه التطورات لم تنعكس على توفر الإمدادات في الأردن، لكنها انعكست مباشرة على الكلفة، وهو التحدي الحقيقي. وهنا تتضح الصورة بشكل أدق: المشكلة في الأردن ليست في القدرة على توفير الطاقة، بل في نموذج إدارة هذا الملف، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد الخارجي، مع محدودية البدائل المحلية. هذا الاعتماد يضع ضغوطًا مباشرة على الكلف التشغيلية، التي تقدر بنحو 2 مليون دينار يوميًا في ظل الارتفاعات الحالية. فقد ارتفع سعر الغاز من نحو 7 دولارات للوحدة الحرارية إلى ما يقارب 25 دولارًا، ما يشكل عبئًا ماليًا واضحًا على قطاع الطاقة حيث يستهلك الأردن حاليًا من الغاز نحو 340 مليون قدم مكعب يوميًا.
ويزداد هذا التحدي وضوحًا عند النظر إلى مزيج الطاقة في الأردن، حيث يشكل الغاز الطبيعي ما يقارب 63% من توليد الكهرباء، فيما تساهم الطاقة المتجددة بحوالي 17% فقط، يليها الصخر الزيتي بنسبة 16%. هذا التوزيع يعني أن أي اضطراب في إمدادات الغاز أو أسعاره سينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، ويضع ضغطًا مزدوجًا على النظام الكهربائي، من حيث تأمين الإمداد ومن حيث الكلفة.
وهنا يبرز الدور الحاسم للطاقة المتجددة، وتحديدًا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كأحد أهم مسارات التحول الاستراتيجي. فعلى مدار السنوات الماضية، كان الحديث مستمرًا حول أهمية هذه المصادر ضمن مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، إلا أن التنفيذ لم يرتقِ إلى مستوى التحدي، نتيجة تعقيدات تنظيمية وتردد في اتخاذ القرار.
اليوم، ومع هذا الاختبار الحقيقي، يتضح أن الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس خيارًا تكميليًا بل ضرورة سيادية، فالأردن يمتلك ميزات تنافسية واضحة، أبرزها ارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي، ووجود مواقع مناسبة لطاقة الرياح، ما يوفر فرصة حقيقية لبناء منظومة طاقة أكثر استقلالًا واستقرارًا. كما أن الطاقة المتجددة لا ترتبط بأسواق عالمية متقلبة، ولا تتأثر بسلاسل التوريد، ما يجعلها أداة فعالة لتقليل المخاطر. عدا عن أنها توفر كلفة مستقرة على المدى الطويل، مقارنة بالتقلبات الحادة في أسعار الوقود. وهذا يعني أن التوسع فيها لا يخفف فقط من الضغوط المالية، بل يعزز القدرة على التخطيط والاستدامة.
حقل غاز الريشة أيضاً، يمثل فرصة لتعزيز الإنتاج المحلي، بينما تمثل الطاقة المتجددة مسار الاستقرار طويل الأمد. فبرغم التحديات الفنية والاقتصادية المرتبطة بحقل الريشة، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى دوره المتنامي في دعم توليد الكهرباء في الأردن خلال السنوات القادمة. فقد ارتفعت القدرة الإنتاجية للحقل إلى نحو 75 مليون قدم مكعب يوميًا بحلول نهاية عام 2025، وهو ما يعادل قرابة خُمس استهلاك المملكة من الغاز. ومع خطط التوسع الطموحة التي تستهدف رفع الإنتاج إلى 418 مليون قدم مكعب يوميًا بحلول عام 2030، ثم إلى 500 مليون قدم مكعب يوميًا في 2034، فإن الريشة مرشح ليصبح مصدرًا رئيسيًا لتغذية محطات توليد الكهرباء، خصوصًا في ظل اعتماد القطاع الكهربائي على الغاز الطبيعي.
كما أن توجيه جزء من الإنتاج الحالي لمحطات التوليد، مثل شركة الكهرباء الوطنية، يعكس بداية دمج الغاز المحلي في منظومة الطاقة الكهربائية، وهو توجه مرشح للتوسع مع استكمال البنية التحتية، وعلى رأسها مشروع ربط الحقل بخط الغاز العربي. هذا التطور، في حال تنفيذه ضمن الإطار الزمني المخطط، سيعزز من قدرة الأردن على الاعتماد جزئيًا على موارده المحلية في توليد الكهرباء، ويقلل من حساسيته لتقلبات الأسواق العالمية، ما يمنح النظام الكهربائي قدرًا أكبر من الاستقرار والمرونة على المدى المتوسط.
إن إعادة هيكلة قطاع الطاقة بحيث يرتكز بشكل أكبر على المصادر المحلية، وفي مقدمتها الشمس والرياح، لم تعد مسألة فنية أو بيئية، بل أصبحت مسألة سيادة اقتصادية. فكلما زادت قدرة الدولة على إنتاج طاقتها محليًا، تراجعت درجة تعرضها للصدمات الخارجية، وتعزز استقرارها في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
ضمن المعطيات الحالية للحرب القائمة، فقد نجح الأردن في اختبار الاستمرارية، لكنه يواجه اليوم اختبار الكلفة والاستدامة وهو اختبار حقيقي، وما كشفت عنه هذه الأزمة بوضوح هو أن أمن الطاقة لا يتحقق فقط بتأمين الإمدادات، بل بإعادة إدارة ملف الطاقه من خلال تنفيذ ما المقترحات التي يتحدث عنها الجميع من خلال تنويع المصادر، وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، وتحويل الطاقة المتجددة إلى خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطني. هنا فقط، يتحول ملف الطاقة من ملف فني إلى ملف سيادي بكل ما تعنيه الكلمة.
