كتب سلطان الحطاب –
كان على الطائرة التي قادها جلالة الملك الحسين بنفسه الى بغداد مجموعة كبيرة من ضباط الجيش برتب عالية ومجموعة من السياسيين والمسؤولين في مقدمتهم دولة مضر بدران ورئيس الديوان الملكي سيادةًالشريف زيد بن شاكر وآخرون.
كنت تشرفت أن كنت على الطائرة أنا والزميل الراحل والصحفي المفكر رييس تحرير جريد الدستور محمود الشريف، جلسنا في مؤخرة الطائرة، وقف الملك بعد الاقلاع وبعد أن اعطى القيادة للكابتن الأردنية السيدة، سمر نجيب العوران، لتواصل قيادة الرحلة وقف ليخلع جاكيته، ونظر الى آخر الطائرة وناداني، فاتيت اليه، وقال لا بد أن لديك اسئلة تريد أن تسألها، أجلس، فجلست في صالون في مقدمة الطائرة، أعد للجلوس من طاولة وبضع كراسي وما أن جلست حتى قال لي اسأل.
في الحقيقة تلبكت للمفاجاة ولم أعرف بداية عن ماذا اسأل، فقلت، فجاة، سيدي ماذا تعني لك القدس؟ فنظر الي بدهشة واستغراب، وقال القدس، وكررها ثلاث مرات، كنت أنظر الى عينيه رحمه الله، وقد امتلأت بالدموع، وكادت أن تنزل، صمت لبرهة، وقال والله تعنيلي الكثير،
هل تعرف عن القدس من حررها؟ قلت نعم صلاح الدين،
فقال: متنهدا سيكتب التاريخ انها ضاعت في عهدي واتمنى أن تعود محررة ليوم واحد وأموت، تأثرت لأجابته وكذلك الجالسين في الصف الأول، وقال مضر بدران وهو يرى تأثر الملك وانفعاله، وقد كانت شمس النافذة في عيونه، متى تنتهي المقابلة؟
فقال الملك لماذا أتركه يسأل، فقلت أرجو أن لا أزعجك، ياسيدي فقال لا، اسأل،
انالذي طلبت منك
فقلت يا سيدي هل كنت تنوي أن تبني أحزاباً في الاردن حين عدت من بريطانيا وبعد أن درست هناك وأن تقيم حياة ديمقراطية فابتسم وقال: نعم، عدت من بريطانيا وأنا أحلم بذلك وان يكون عندنا أحزاب، حزبين أو ثلاثة، كما في بريطانيا وبدأت أفكر في ذلك، فماذا عملت (هذه القصة كتبتها في كتابي بالتفصيل وعنوانه الملك الانسان) وقد أجيزت لي بعد أن عطلتها المطبوعات والنشر حين كان فيها بلال التل مديرا فاشتكيت امام الملك في لقاء به ان مقابلتي معه على الطائرة لم تنشر فاستغرب وكلم الدكتور عبد السلام المجالي الذي كان رئيساً للوزراء، وحين التقيت المجالي. قال لي عبد السلام لماذا. تشكي هل كان ضروريا. اعتبر كتابك صادر وبالفعل صدر الكتاب وعلى غلافه الخارجي هذا الاقتباس عن القدس وفي الداخل نص المقابلة كلها.
عن الديمقراطية ونتائجها واضاف الملك للمقابلة حين فكرت ببناء الأحزاب واطلاق حياة ديمقراطية، استدعيت رئيس الوزراء آنذاك وكان يومها توفيق أبو الهدى، وقلت له يا باشا نريد أن نبني أحزاباً كما دول العالم وان نصير ديمقراطية وان تكون حكومتنا حزبية
يقول الملك، فنظر الى الرئيس أبو الهدى وقال: هل تسمح لي يا سيدي أن اذهب واسال المعتمد البريطاني إن كان يوافق على ذلك،
فقال الملك، أدركت يومها أننا لا نملك ارادتنا وكان على أن انتظر ثلاث سنوات آخرى لاتمكن من تعريب قيادة الجيش وحتى يكون بيدي القوة التي استطيع أن أفعل واقرر، فانتظرت من عام 1953، حتى شهر آذار عام 1956، الى يوم التعريب، وكان ذلك بالفعل، وأدركت أننا الآن مسلحين بقوة جيشنا ووحدته وقدراته، ولكن هذه المنطقة كانت مثل كثبان الرمال التي تزحف ولا تستقر فما ان بدأت الأفكار تتكامل حتى قامت حركة 1957، (حركة سليمان النابلسي) واضطراباتها ،ودخلنا في اطار حفظ الأمن والاستقرار وأثر علينا ما يجري في السويس بعد ذلك وفي لبنان 1958 وسوريا، ولم نعرف الاستقرار وأجلنا ذلك وجاءت قاصمة الظهر حرب 1967 وخسرنا القدس، وانتظرنا الى أن اعدنا ترتيب انفسنا وقد استغرقنا ذلك وقتاً حتى عام 1989، وها نحن نعيد اطلاق الحياة النيابية الديمقراطية وبالفعل هذا ما حصل وجرت أول انتخابات بعد عام 1989، شاركت فيها كل القوى السياسية.
تحدث الملك عن طموحاته في جعل الأردن نموذجاً، وقال: انا شخصيا لم أعش طفولتي وأنا صغير، إذ حملت المسؤولية وأنا في السابعة عشرة ولم أخطط أن أدرس كما أبناء جيلي وأن استمتع بوقتي.
قلت وماذا الآن؟ قال الآن مهمات صعبة وها نحن نذهب الى العراق، قال أبو عماد، مضر بدران، الذي لم يكن يرغب في استمرار الحديث، هذا يكفي يا حطاب، لقد اخذت اشياء كثيرة، وبالفعل بقي هذا الكلام الى أن نشرته لاحقاً في كتابي بدعم من جلالته اذامر رييس التشريفات ايمن المجالي ان يقدم دعما لطباعته
ولكن الذي دعم طباعته كان رجل العمال توفيق فاخوري الذي جاءته رسالة شكر ملكية سر بها سرورا عظيما كما نشرت المقابلة في أكثر من موقع وكتاب ودورية.
وأرجو أن يسمح لي لاحقاً رئيس التحرير بنشر واقعة الملك والرئيس صدام بحضور زيد بن شاكر ومضر بدران وعدنان أبو عودة، وطارق ياسين رمضان، عندما صرخ الرئيس صدام في وجه “عدنان أبو عودة” وقال له ما أخبرك مهزوم يا أبو السعيد، أنت مهزوم وقد كان عدنان أبو عودة يستنكر اعدام الصحفي الانجليزي الايراني المقيم في بريطانيا (فرزاد بازوفت) عام 1990، وكان مراسلاً لصيحفة الاوبزيرفر البريطانية،، وجاءت تهمته أنه كان يحقق في انفجار غامض في موقع عسكري جنوب بغداد، ولم تنجح وساطات عالمية كثيرة في اطلاق سراحه وحين اعدم، شنت الصحف الغربية هجوماً على العراق حذر منه عدنان أبو عودة امام صدام ولم يعجب ذلك الرئيس وقال لأبو السعيد ما أخبرك مهزوم، أنت مهزوم، وقد أنقذ الملك الحسين ا الموقف وقال للرئيس صدام، أنت دعوتنا اليوم في هذا الطقس الجميل، أن نذهب لنصطاد سمك في البحيرة، فضحك صدام وقال نعم، وقاموا وذهبنا نحن مع طه ياسين رمضان في مجموعة توجهت الى المتحف
قلت له ماذا تعني لك القدس؟
2
