القراران اتخذهما ترمب. بفارق أسبوع، وجد مناهضوه ما أحبوا أن يصوروه “نصرا” على الإدارة والجمهوريين، و”ماغا” على وجه الخصوص، بدعم من الصحافة الأمريكية والدولية المعروفة مواقفها من الرئيس، منذ ولايته الأولى وخلال حملاته الرئاسية الثلاثة.
لن أتوقف كثيرا عند ملابسات إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم، أو استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كنت. لكن هذا الأخير، سارع ترمب إلى توبيخه علانية الثلاثاء، خلال استقباله في البيت الأبيض رئيس وزراء إيرلندا بمناسبة الاحتفال المشترك سنويا بعيد القديس باتريك، الذي يحتفل به الشعبان والكنيسة الكاثوليكية في العالم في السابع عشر من مارس آذار.
ترمب أبدى ارتياحه من “الاستقالة” التي سرعان ما اتضح إنها في واقع الأمر إقالة، بعد حرمان كنت من حضور الاجتماعات الأمنية، خلافا لما يفترض أن تشمله، أو على الأقل منحه حق قراءة خلاصاتها، بحكم وضعه الوظيفي الذي كان موضع رقابة داخلية صارمة، إثر تقارير كشفت “تورطه” في تسريب أو أكثر.
لأي إدارة في العالم، تلك مسألة بالغة الحساسية، لكن لدى ترمب، الأمر له جانب شخصي أيضا، على اعتبار أن التسريب أو كشف ما لا يجوز كشفه حتى بعد الخروج من الخدمة، خيانة ثقة بمن تم ائتمانه على أداء واجب، تتطلع أو تقدم هو إليه، أو وافق واحتفل بقبوله.
اقتصر ترمب في حديثه على ما ورد في كتاب “الاستقالة” الذي أتى بعد ضغوط أشبه ما تكون بالطرد إلى خارج دائرة الثقة، المهنية والشخصية. بنى ترمب هجومه على “سقطة” أوقع كنت فيها نفسه، معتمدا على الذاكرة السمكية لبعض “المراقبين”! كنت، الذي كان يسهب في الحديث عن الإرهاب الذي تمارسه إيران وأدواتها إقليميا وعالميا، قال إن “ضميره” لم يعد مرتاحا لمواصلة خدمة الرئيس، بعد شنه الحرب على إيران، زاعما أنها “لا تمثل تهديدا وشيكا لأمريكا”! ومما رش ملحا على جرح يبدو أنه غائرا وباقيا لدورات انتخابية عديدة، زعم كنت أن قرار ترمب كان بدفع من رئيس وزراء إسرائيل واستجابة للوبي العلاقات الأمريكية الإسرائيلية المعروف اختصارا ب “إيباك”.
وعلى النقيض من التكريم الذي حظيت به نوم بتعيينها المبعوثة الرئاسية لمجموعة “درع الأمريكيتين” غداة “استقالتها”، سارع مؤيدو ترمب والناشطون في “ماغا”، بكشف سجل كنت الحافل، من حيث كونه “انتهازيا” بدأ حياته في صفوف حزب “الليبريترينز”، فالحزب الديموقراطي الذي لم يغادره إلى الحزب الجمهوري، إلا قبل خمس سنوات! لا بل زاد فتح أضابير كنت القديمة، بنبش ارتباطات زوجته هِذِر كايْزَر مع الديموقراطيين سيما دعم هيلاري كلينتون المرشحة الرئاسية التي هزمها ترمب في الولاية الأولى، وحتى بيرني ساندرز الذي صار مستقلا بعد أن “تآمر” عليه حزبه الديموقراطي لصالح كلينتون!
اللافت بالأمر أن إقالة كنت التي أتت على نحو “استقالة” كان مطلبا لأول من أثار تساؤلات حول ملف التعيينات في إدارة ترمب الأولى والثانية. من بين تلك الأصوات، لورا لومِر الأكثر حدة في انتقادها لخصوم ترمب، إلى حد الزعم بأن هناك من يتآمر عليه في إدارته وحزبه وحتى حركته “ماغا”، بغية إفشاله.
التدقيق الأمني المشدد “إكستريم فِتِنْغ” في نظرها وكثير من الأمريكيين -ومن الحزبين- يرون أنه غير كاف وبحاجة إلى التحديث والتفعيل على المستويات كافة، بدءاً بملف منح التأشيرات والإقامات بما فيها الدائمة والتجنيس، وانتهاءً بالتوظيف خاصة في المناصب العليا والحساسة.
من العيوب الرئيسية فيما يخص التعيينات سواء انتهت بإقالة أو استقالة، التورط مع من يخِلون بالمعادلة التالية: أن يتحولوا من موجودات إلى أعباء على الرئيس وفريقه. أن يكون من بينهم من يعرفون بالانهزاميين “كْوِتِرْز” وغالبا ما يكونون أحد ثلاثة: إما انتهازيون أو واهمون بقدراتهم، أو طُفَيْليون يديمون بقاءهم في مناصبهم على حساب نجاحات ورصيد الآخرين من الثقة العامة سواء على المستوى الإداري أو السياسي أو الشعبي، مما يسبب الاستنزاف بكل عواقبه الوخيمة.
ورطة كنت وغيره، أنه وقع مع نجم ومنتج أحد أكثر البرامج الأمريكية نجاحا “ذي أبرينتس” في عالم “ريالتي تي في” تلفزيون الواقع.. على مدى أربعة عشر موسما، اشتهر ترمب بعبارته المفضلة حتى الآن: أنت مفصول! يرى كثيرون وكاتب هذه السطور منهم، إن تلك العبارة أو قاعدة “التوظيف والتسريح” ما زالت من أهم عناصر نجاح الإدارة في القطاعين الخاص والعام في أمريكا. ويزيد على تلك القاعدة الإدارية أهمية إن كانت بكلمة وليس حتى بجرة قلم من مدير مهني متخصص بتدريب من يطمحون بتعلم المهنة أو اكتساب مهارات القيادة وخبراتها أو الارتقاء في السلم الوظيفي. ذلك ال”أبرنتس” وبعيدا عن إيران وغيرها من الملفات الأمريكية الداخلية أو الخارجية، يعرف متى يقيل، ومتى يعيّن، ومتى وكيف يقبل الاستقالة. الغاية واحدة: نجاح المهمة أولا، وبقاء المؤسسة وتطويرها دائما، و”الباقي تفاصيل”!
استقالة “كِنت” وإقالة “نوم”* بشار جرار
0
المقالة السابقة
