تمارس “إسرائيل” بوصفها دولة احتلال، سياسة قائمة على القوة المفرطة وفرض الأمر الواقع، في ظل غياب واضح للمحاسبة الدولية الفاعلة. وفي وقت واحد، تواصل حكومة الاحتلال اعتداءاتها اليومية على الفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية ومخيماتها، دون أدنى مستوى من الردع أو ردود الفعل المؤثرة.
لقد أصبح استهداف المواطنين الفلسطينيين العزل مشهداً متكرراً؛ إذ لا يحتاج قتل الفلسطيني إلى سبب أو ذريعة. يكفي أن يمر مواطن بسيارته، أو أن تعلو وجه طفل ابتسامة، حتى يتحول ذلك إلى ذريعة لإطلاق النار. وما جرى مع عائلة فلسطينية في بلدة طمون، التي خرجت لشراء ملابس العيد فاستُهدفت بالرصاص الحي، يمثل نموذجاً صارخاً لواقع يومي يتكرر بأشكال متعددة.
ولا تتوقف معاناة الفلسطيني عند القتل المباشر، بل تمتد إلى اعتداءات المستوطنين، الذين يعملون ضمن مجموعات منظمة، بدعم وإسناد من حكومة الاحتلال. وتشمل هذه الاعتداءات اقتحام المنازل، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على المواطنين في أماكن تواجدهم، إضافة إلى الانتهاكات المستمرة بحق المسجد الأقصى، عبر الاقتحامات المتكررة لباحاته، في استفزاز واضح لمشاعر المسلمين، خاصة خلال شهر رمضان.
ورغم خطورة هذه الانتهاكات، تبقى ردود الفعل الفلسطينية في معظمها محصورة في بيانات الشجب والاستنكار، بينما يكتفي المستوى العربي والإسلامي، في كثير من الأحيان، بتصريحات إعلامية خجولة لا ترتقي إلى حجم التحدي. أما على الصعيد الدولي، فإن الصمت أو العجز يخيّم على مؤسسات يفترض أن تكون ضامنة للعدالة، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي.
في جوهر هذه السياسات، تسعى “إسرائيل” إلى تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية ومخيماتها، عبر أدوات متعددة، من بينها الحصار الاقتصادي، ومنع العمال الفلسطينيين من العمل، واحتجاز أموال المقاصة التي تُقدّر بمليارات الدولارات. ويأتي ذلك في سياق رؤية أيديولوجية تعتبر الضفة الغربية والقدس “يهودا والسامرة”، في تجاهل كامل للحقوق الوطنية الفلسطينية.
ولا يمكن فصل ما يجري في الضفة عن المشهد الأوسع، حيث تتواصل العمليات العسكرية في قطاع غزة، وما رافقها من دمار واسع ونزوح متكرر، ضمن سياسة تهدف إلى فرض واقع ديموغرافي جديد. كما يمتد التصعيد إلى الساحات الإقليمية، بما في ذلك لبنان، حيث تستمر الاعتداءات رغم التفاهمات، في مسعى لفرض معادلات أمنية جديدة على الحدود الشمالية.
إن هذا المسار يعكس توجهاً نحو فرض الهيمنة الإقليمية، بدعم واضح من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل نظام دولي أحادي القطبية، يفتقر إلى التوازن والقدرة على فرض القانون الدولي.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمنع استمرار هذه السياسات؟ الإجابة تكمن في غياب قوة ردع حقيقية، سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي أو الدولي. فطالما بقيت ردود الفعل في إطار البيانات، سيظل الشعب الفلسطيني عرضة للاستهداف المباشر.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تقييم شاملة، تبدأ بإعادة هيكلة النظام السياسي الفلسطيني، على ضوء تعثر مسار التسوية السياسية، وفشل الرهان على اتفاقيات لم تُنفذ، أو قرارات دولية بقيت حبراً على ورق.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
إلى متى سيستمر هذا الصمت، في ظل واقع يزداد خطورة، ويهدد ليس فقط فلسطين، بل الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها؟
الاحتلال الإسرائيلي.. مشروع تهجير الفلسطينيين وإرهاب ممنهج* عمران الخطيب
2
المقالة السابقة
