كتب سلطان الحطاب –
بعيداً عن المزايدات والمناقصات التي تسود المنطقة وتسبب تشظي مواقفها السياسية، فإن الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لا يضع رأسه في الرمل ولا يخفي مواقفه، بل ظل يسعى بها ويعمل ما عملته زرقاء اليمامة تارة، وما عمله حامل مصباح ديوجين تارة أخرى.
لقد أحصيت أكثر من 34 زيارة ملكية هامة للعديد من دول العالم في شرقه وغربه وشماله وجنوبه ، قام بها الملك عبد الله الثاني وهو يحمل نفس الملفات التي عناوينها وقف التصعيد، حين كان التصعيد يأخذ مداه قبل انفجار الحالة وقيام الحرب الأخيرة.
كما ظل الأردن يحمل ملفات تسوية الصراع، وقد انشغل كثيراً بملف غزة الذي استهلك جهوداً كبيرة وواصل العالم الهروب منه ولم يقدم سوى الكلام.
ولعل أبرز ما مثله الموقف الأردني كان الاكثر سطوعا في خطاب الملك في ستراسبورغ، في الاتحاد الأوروبي، حين وقفت القاعة تصفق حين وصف الملك ما أصاب المجتمع الدولي من سقوط أخلاقي كانت له عواقب وخيمة حين ترك للعدوان ان يتمدد وحين لم تجر معاقبة اسرائيل على أعمالها التي وصلت حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
ما زال نشاط جلالة الملك في أشده، وما زال الملك يستقبل ويودع وفوداً ومبعوثين ويتلقى عديدا من الاتصالات، وما زالت زياراته لا تنقطع، فقد شهدت نهايات العام الماضي 2025، زيارات ملكية الى كازخستان وفيتنام واليابان وسنغافورة وإندونيسيا وماليزيا وعديد من دول جنوب شرق آسيا بعد موجة كبيرة من الزيارات الملكية لأوروبا الغربية وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وبلجيكا والاتحاد الأوروبي وتركيا، ولم تبق دولة هامة لها دور في صراعات الشرق الأوسط أو في خفض التصعيد فيه، إلاّ وحظيت بزيارة ملكية أو لقاء مع زعيمها أو وفدها في الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الأخرى.
أما على المستوى العربي، فقد بذل الأردن دوراً ملموساً اعترف به القاصي والداني في اعادة اتفاق عربي أو اعادة بناء اللحمة العربية، فكانت المحاولات الأردنية الجادة قبل أكثر من سنتين لتقريب العراق ومصر والأردن من صيغة جامعة، واجهتها اقتصادية ومضمونها سياسي لمساعدة العراق على استكمال خطاه باتجاه الانخراط في قضايا الأمة وتمكين مصر من أن تلعب دورها التاريخي الذي ظلت تلعبه في حماية القضية الفلسطينية والعمل من أجلها، وظلت الأقرب الى الأردن في المشاورات والمواقف والرؤى.
وقد زار الملك عبد الله الثاني مصر مرات عديدة وبحث موضوعات هامة كان لها الدور الأساسي في رص الصف العربي ومنع التهجير من غزة، ولو في الحد الأدنى وبدعم من الرئيس عبد الفتاح السيسي كما بذل الأردن دوراً أساسياً في تمكين سوريا من الحركة والوقوف على أقدامها الى حد كبير بعد الاستهدافات الخطيرة والمؤذية التي اصابتها من تحطيم جيشها واستمرار العبث بأمنها والتآمر على وحدتها الترابية بالتقسيم والتدخل والعبث كما حدث في السويداء، لقد كان الأردن واقفاً الى جانب سوريا بعد سقوط نظامها ومجيء نظام جديد استأنس به الأردن خيراً، وهو يقدمه الى الأمة ويمد يد المساعدة، فقد كان من قبل على استعداد أن يقدم لسوريا الكهرباء وبالشراكة مع مصر، كما ساعد الأردن على إلغاء قانون قيصر الظالم عن سوريا وتدخل لدى الولايات المتحدة لاستعادة سوريا لدورها في خدمة شعبها الذي وصل الى حال عميقة من الحاجة والعوز وانهيار الليرة السورية واستمرار التوسع الاسرائيلي في الأرض السورية.
وما زال الأردن يعمل بكفاءة عالية حيث يلتف شعبه حول قيادته، وما زال يواجه العدوان والتهديد، وما زال يرفض استمرار العدوان على غزة وعلى أطراف الأمة كلها وخاصة دول الخليج. كان في عمان سمو الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الامارات الذي ظل يستأنس بالموقف الأردني ويرى أن قبول الموقف الأردني على المستوى العربي والدولي وما يقدره زعماء العالم من سعي أردني إيجابي يمكن أن يوظف في سبيل اعادة الاستقرار للمنطقة كلها.
الأردن بتجربته العميقة يعمل عبر منطقته والإقليم والعالم، لا يعرف الاستسلام ولا التردد أو النكوص، ولا يضع رأسه في الرمل.
إنه يحيا بالأمة ويقوم بدوره كأحد أبنائها المخلصين.
